يأتي المؤتمر الثامن لحركة فتح في لحظة مختلفة نوعياً، ليس عن المؤتمرات السابقة فقط، بل عن مجمل المسار الذي سلكته الحركة والنظام السياسي الفلسطيني في العقود الماضية. فالمؤتمر لا يُعقد في حالة استقرار نسبي أو أفق سياسي مفتوح، بل في سياق انسداد شامل؛ انهيار مشروع التسوية منذ زمن من دون أفق حقيقي لإعادة إطلاق مسار سياسي، ولو على المدى القريب، ووصول خيار المقاومة إلى مأزق في ظلّ خلاف جوهري بين من يدينها ومن يعلّق عملها، وحول جدوى المقاومة المسلّحة في هذه المرحلة، وانقسام حادّ بين سلطتَين في ظلّ جدل عميق وكبير بعد حرب الإبادة والتهجير والضمّ والفصل العنصري، وحول المشروع الوطني المطلوب لهذه المرحلة، وأيّ تحالفات إقليمية ودولية يمكن نسجها وسط تصاعد مخطّطات تصفية القضية الفلسطينية من جذورها ومن مختلف أبعادها.
يترافق هذا مع ضعف متزايد وتآكل شرعية المؤسّسات الفلسطينية، في غياب الانتخابات الحرّة والدورية والتوافق الوطني والإنجازات، ومع معركة الخليفة والخلفاء، في ظلّ فراغ قيادي ومأزق عميق يطاول النظام السياسي والحركة الوطنية بمختلف مكوّناتها. كما تتّسع الفجوة بين القيادة والقاعدة، وتتكلّس وتتقادم الفصائل وتشيخ وتترهّل، فلا تتشكّل فصائل وحراكات جديدة، حتى الآن على الأقلّ، مع فقدان البوصلة، واستمرار المساعي المتنوّعة للمسّ بوحدانية التمثيل، ما يفتح الباب لصعود بدائل وصور من وصاية على حساب الممثل الشرعي الوحيد.
مؤتمر تنظيمي لا تنبثق منه استراتيجيات وقيادة قادرة على التنفيذ، لن يؤدّي إلا إلى إعادة إنتاج الوضع القائم
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى المؤتمر بوصفه استحقاقاً تنظيمياً دورياً، بل بما هو اختبار حقيقي مصيري قد يقود إلى أحد ثلاثة مسارات: إمّا المراوحة في المكان وإعادة إنتاج أسباب الفشل والانقسام والعجز، أو بداية نهوض عبر سعي الحركة لتجديد نفسها، أو أن يكون مسك الختام لمسيرة حركة قادت الشعب الفلسطيني وثورته المعاصرة ومنظّمة التحرير في أصعب الظروف، وحقّقت إنجازات كبرى، خصوصاً حتى عام 1988، قبل أن تبدأ مسيرة التراجع التي من أبرز محطّاتها اتفاق أوسلو (1993)، والاعتراف بحقّ إسرائيل في الوجود والعيش بأمن وسلام، والتخلّي عن المقاومة من دون أن تعترف إسرائيل بأيٍّ من الحقوق الفلسطينية، والانقسام الفلسطيني، وخطّة ترامب التي قُدّمت بوصفها إطاراً للحلّ ووافقت عليها، أو على الجهود الأميركية التي انتهت إليها، الفصائل كلّها، رغم ما تنطوي عليه من وصاية استعمارية أميركية تمسّ الحقوق والمصالح الفلسطينية.
أول ما يلفت الانتباه أنّ حركة فتح التي قادت المشروع الوطني عقوداً، ورفعت في المرحلة الأولى شعارات التحرير والعودة والكفاح المسلّح، تجد نفسها اليوم عملياً وواقعياً، وبعد التخلّي عن مشروع التحرير وتبنّي مشروع الدولة من طريق المفاوضات والتنازلات، أمام تبنّي مشروع بقاء السلطة والقيادة، رغم ما تتعرّض له من تدمير في قطاع غزّة، وتقويض في الضفة الغربية. إلى درجة بات فيها البرنامج الفعلي هو الحفاظ على السلطة في “الضفة”، ضمن قيود مجحفة، وكأنّ ذلك هو الهدف في حدّ ذاته. وهنا يطفو سؤال الدور: هل ما زالت فتح حركة تحرّر وطني تقود نضالاً مفتوحاً، أم تحوّلت حزباً يدير السكّان تحت الاحتلال بسقف أعلى هو حكمٌ ذاتيٌّ محدودٌ أمنياً واقتصادياً؟
هذا السؤال الجوهري لم يُحسم في المؤتمرات السابقة، بل رُحِّل من مؤتمر إلى آخر، ما أسهم في الوصول إلى الحالة الراهنة. وفي ظلّ غياب نقاش جدّي حول البرامج والاستراتيجيات والمراجعة، يطغى التنافس على المواقع (عضوية المؤتمر، والمجلس الثوري، واللجنة المركزية)، وعلى المصالح، فيتحوّل المؤتمر (كما هي العادة) إلى مناسبة لتوزيع المناصب والمكاسب أكثر منه محطّةً للتقييم والتجديد والإنقاذ.
إذا أراد المؤتمر أن يكون مختلفاً فهو مطالبٌ بإجراء مراجعة شاملة للتجارب السابقة، بما فيها (وأوّلها) الأخطاء والخطايا، والبناء على ما تحقّق من إنجازات، واستخلاص الدروس. ذلك أنّ أيّ مؤتمر تنظيمي من دون بلورة رؤية شاملة تتصدّى للتحدّيات وتستثمر الفرص، وتنبثق منها استراتيجيات وقيادة قادرة على التنفيذ، لن يؤدّي إلا إلى إعادة إنتاج الوضع القائم، وربّما بصورة أسوأ. الأزمة الفكرية والبرنامجية، وعجز المشروع الوطني بأشكاله المختلفة عن تحقيق أهدافه، قادت إلى أزمة بنيوية تمسّ طبيعة القيادة وآليات إنتاجها. فالحركة التي قامت على دينامية ثورية شعبية مرنة، أصبحت أسيرة البيروقراطية والمحافظة والإقصاء، وتحوّلت في أحيانٍ كثيرة إلى بيئة طاردة للكفاءات والمناضلين. لم تعد الحركة كما كانت إطاراً واسعاً يعكس تعدّدية المجتمع الفلسطيني، بل باتت أكثر انغلاقاً، مع تراجع دور الأطر التنظيمية العليا والوسيطة، وغياب فاعلية القواعد، التي يُطلب منها غالباً الدفاع عن قرارات لا تشارك في صنعها.
لذلك، لن يكون مجرّد تغيير بعض الأسماء في اللجنة المركزية أو المجلس الثوري كافياً، ما لم يترافق مع عملية تغيير وتجديد وإصلاح شاملة تعيد صياغة المشروع الوطني، وتعيد تعريف العلاقة بين القيادة والقاعدة والشعب، وتعيد الاعتبار إلى المؤسّسات بدل الأشخاص، وللمساءلة بدل الولاء.
ولا يمكن فصل المؤتمر عن السياق الوطني العام، إذ يعاني النظام السياسي الفلسطيني من حالة ضعف وترهّل وانتظار قاتلة، وشلل واضح، وفراغ متزايد، وانقسام مرشّح للتعمّق. وهنا المفارقة: “فتح” هي العمود الفقري لهذا النظام، لكنّها، في الوقت نفسه، أحد مصادر أزمته. لذا، أيّ إصلاح داخل الحركة يمكن أن ينعكس إيجاباً على النظام ككل، والعكس صحيح. أمّا استمرار الوضع القائم، فسيعني تعميق الأزمة، وربّما الانزلاق نحو الانهيار، وفتح المجال أمام بدائل أخرى معادية.
على الصعيدَين الإقليمي والدولي، ينعقد المؤتمر في بيئة انتقالية شديدة التعقيد: عالم قديم يتراجع وينهار، وآخر لم يولد ولم تتّضح ملامحه بعد، فيما تتذبذب مكانة القضية الفلسطينية في سلّم الأولويات الدولية، وتقف السلطة على حافّة الانهيار، فإمّا أن تنهار أو أن تتحوّل إلى سلطة وكيل للاحتلال بشكل كامل، أو إلى سلطات محلّية إدارية متنافسة، على الرغم من تفاقم المخاطر على الأرض، ما يوجب الصمود ووضع خطّة موحّدة لمواجهة الأخطار وتوظيف الفرص. وهذا يفرض على الحركة إعادة النظر في رؤيتها وخطابها وأدواتها وتجربتها، بعيداً من الارتهان لمسار واحد أثبت عقمه، كما يفرض على بقية الحركة الوطنية، التي وصلت إلى طريق مسدود، تبني مسار جديد قادر على الانتصار.
قد لا يستطيع مؤتمر فتح الخروج عن المسار القائم على إعادة هندسة الحركة ضمن النهج القائم
في المحصّلة، تشير المقدّمات التي سبقت عقد المؤتمر، من جهة القرار المفاجئ والفوقي بعقده خضوعاً لإملاءات خارجية على شاكلة ما حدث بخصوص استحداث منصب نائب رئيس، ووضع دستور مؤقّت، والذهاب إلى انتخابات انتقائية ضمن شرط إقصائي سياسي، وتغيير المناهج، ووقف التحريض الإعلامي، والتعامل مع الأسرى والشهداء والجرحى قضيةً اجتماعيةً لا قضيةً وطنيةً، وضيق الوقت، وعدم مراعاة الظروف الاستثنائية، خصوصاً في قطاع غزّة، التي تقتضي تأجيله، وغياب مؤتمرات الأقاليم لانتخاب المندوبين، ما يعني أنّهم أعضاء معيَّنين، وعدم إنجاز وحدة الحركة رغم القرارات المتكرّرة بهذا الشأن، ولا تبنّي استراتيجيةٍ على أساس أنّ فلسطين أساس المحاور، وأنّ الوحدة الوطنية ضرورة وليست مجرّد خيار، ولا بدّ من إنجازها ولو بعد حين، وتغييب النقاش السياسي والبرامجي، وتضخّم عدد الأعضاء ليصل إلى نحو 2600 عضو، معظمهم من موظّفي الأجهزة والوزارات… ذلك كلّه يشير إلى أنّ المؤتمر قد لا يكون قادراً على الخروج عن المسار المرسوم، القائم على إعادة تشكيل (أو الأصح هندسة) القيادة والحركة ضمن حدود استمرار النهج القائم، مع استمرار العمل لتحسين شروط الحياة تحت الاحتلال وليس أكثر.
في النهاية، السؤال الأهم ليس: من سيفوز في الانتخابات الداخلية؟ بل: هل ستنجح الحركة في استعادة معناها ودورها حركةَ تحرّر في لحظة تاريخية حرجة، وأمامها والشعب الفلسطيني آفاق رحبة، أم ستكتفي بإدارة السكّان تحت الاحتلال؟ هذا هو التحدّي الحقيقي، وهو ما سيحكم على نتائج المؤتمر، أيّاً كانت مخرجاته.
