يخلص مؤرخ إسرائيلي مقيم الآن في الولايات المتحدة، في كتاب جديد، إلى أن إسرائيل ارتكبت وترتكب إبادة شعب في غزة، ويعلل لماذا عليها أن تسارع إلى التنازل عن الفكرة الصهيونية سريعا وقبل فوات الأوان. في كتابه الجديد الصادر بالإنكليزية بعنوان “إسرائيل: ما الخطأ الذي حدث”، يوضح المؤرخ الإسرائيلي البروفيسور عومر بارطوف أنه باحث في جرائم إبادة الشعوب، منوها أنه يلاحظ قيام إسرائيل بإبادة شعب داخل قطاع غزة.
ويشار إلى أن بارطوف خلص، في أيار/ مايو 2024، إلى أن أحداث قطاع غزة، بموجب ميثاق الأمم المتحدة لعام 1948، تندرج تحت تعريف “الإبادة الجماعية”، فأثار بذلك ضجة ليس فقط في الأوساط الأكاديمية، بل أيضا في المجتمعات اليهودية في أمريكا وإسرائيل.
وبمناسبة صدور كتابه، يقول بارطوف، في حديث موسع لملحق صحيفة “هآرتس” العبرية، إنه وُلد عام 1954 في بلدة إسرائيلية تعاونية تدعى “عين هحوريش”. وبارطوف، وهو ابن الكاتب حانوخ بارطوف، الحائز على “جائزة إسرائيل”، شارك في حرب 1973، وبعد إتمام دراسته في جامعتي تل أبيب وأكسفورد، انتقل إلى الولايات المتحدة عام 1989. ومنذ عام 2000، يُدرّس بارطوف في جامعة براون الأمريكية، ويشغل منصب أستاذ مسؤول عن كرسي دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية، ويُعتبر من أكثر علماء الهولوكوست استشهادا بأعمالهم في العالم.
بارطوف: الصهيونية كأيديولوجيا استنفدت نفسها، ومن المفارقات والمأساة أن حركة بدأت كمحاولة لتحرير اليهود من الاضطهاد تنتهي كحركة عنصرية وعنيفة
ويوضح بارطوف دوافعه، فيقول إنه ليس ضد وجود إسرائيل، لكن الصهيونية كأيديولوجيا قد استنفدت نفسها، وإنه من المفارقات والمأساة أن حركة بدأت كمحاولة لتحرير اليهود من الاضطهاد تنتهي كحركة عنصرية وعنيفة.
هل سيُترجم الكتاب إلى العبرية؟ سُئل بارطوف، فكشف عن صعوبة نشره بلغة الإسرائيليين وعن المصاعب التي يواجهها هناك، وقال: “سيُنشر الكتاب بثماني لغات، حتى الصينية. في إسرائيل، تواصلت مع العديد من معارفي الذين عرّفوني على دور نشر، من بينهم من يُعتبرون “يساريين”. كتب لي أحدهم: “لا أعتقد أن هذا هو الوقت المناسب”، وقال آخرون: “نعم، سنطّلع عليه، سنقرأه”، ثم اختفوا”. وكتب ناشران من اليسار أن الكتاب مثير للاهتمام، لكنهما لم يتفقا مع كل ما جاء فيه، واقترح أحدهما نشره مع كتاب آخر، ما يضفي توازنا”.
بعد الحرب في غزة تتعالى أصوات، خاصة في اليسار المناهض للصهيونية، بأن المشروع الصهيوني كان فاسدا من أساسه. هل هذا الاستنتاج الذي توصلت إليه؟
“أنا لست معاديا للصهيونية. نشأت في بيت صهيوني، وكان من البديهي بالنسبة لي أن إسرائيل هي مكاني. أنا لا أعارض وجود إسرائيل، لكن الصهيونية كأيديولوجيا لم تستنفد نفسها فحسب، بل تحولت إلى شيء لا أعرفه. أصبحت أيديولوجيا الدولة. أصبحت ليست فقط عسكرية وتوسعية، بل أيضا عنصرية، وعنيفة بشكل متطرف، وفي النهاية أيديولوجيا تضر بشدة بالفرد والجماعة معا. أيديولوجيا كهذه ليس لها مكان. من المفارقة والمأساة أن حركة بدأت كمحاولة لتحرير اليهود من الاضطهاد، لمنحهم مكانا خاصا بهم – عملية تحرر وتطلع إنساني – تنهي طريقها كحركة عنصرية وعنيفة”.
هل تعتقد أن هذا كان حتميا؟
“أنا لا أؤمن بهذا النوع من التاريخ، حيث نقول في النهاية: “كنا نعلم دائما أنه سينتهي هكذا”. ربما كان هناك بعض الأنبياء الذين قالوا ذلك منذ اللحظة الأولى، لكنني لا أعتقد أن هذا كان حتميا. أكبر فصل في الكتاب يتناول الدستور المفقود لإسرائيل. الأمر لا يتعلق بأن الأمور في 1948 كانت تتجه في اتجاه واحد فقط، لكن أصبح من الواضح بشكل متزايد أنه بدون دستور يحمي حقوق الجميع، فإن الصهيونية – بمجرد أن أصبحت أيديولوجيا دولة – ستتخلى عن إمكانية أن تصبح دولة طبيعية لمواطنيها”.
وردا على هذا السؤال، يرى المؤرخ الإسرائيلي أن هذا يترك الصهيونية الآن أمام مأزق وجودي، ويقول إن إسرائيل لا يمكنها أن توجد كدولة طبيعية تحت الأيديولوجيا الصهيونية التي يجب أن تختفي. ويضيف: “ستبقى الدولة، فهي لن تذهب إلى أي مكان. السؤال هو أي دولة ستكون. يجب أن تتغير من الأساس. تحت الأيديولوجيا الصهيونية لا يمكنها فعل ذلك. إذا لم تتخلَّ عن هذه الأيديولوجيا وتتحول إلى شيء آخر، ستكون دولة أبارتهايد كاملة، وديموقراطية غير ليبرالية في أحسن الأحوال، وعنيفة جدا، وستفقد في النهاية جزءا كبيرا من نخبتها المتعلمة. معظم السكان سيبقون لأن السكان يبقون دائما. لكنها ستتحول إلى دولة منبوذة ومعزولة. ستفقد دعم حلفائها الأكثر أهمية، دول أوروبا والولايات المتحدة، اللتين تريانها بشكل متزايد خطرا عليهما وليست درعا”.
بارطوف: “أصبح من الواضح بشكل متزايد أنه بدون دستور يحمي حقوق الجميع، فإن الصهيونية – بمجرد أن أصبحت أيديولوجيا دولة – ستتخلى عن إمكانية أن تصبح دولة طبيعية لمواطنيها”.
وطبقا لبارطوف، بدأت الصهيونية قبل الهولوكوست بوقت طويل، لكن الهولوكوست أُلبست عليها بأثر رجعي كأقوى تبرير لوجودها ولإقامة إسرائيل.
وينوه إلى أن الذريعة قالت إنه لو كانت هناك دولة، لكان المزيد من اليهود قد نجوا، ويتابع: “هذا على الأرجح صحيح. من محاكمة أيخمان فصاعدا، وخاصة منذ نهاية السبعينيات والثمانينيات، أصبحت الهولوكوست تدريجيا الصمغ الذي يوحد المجتمع الإسرائيلي. تم تسييس حدث تاريخي كتهديد وجودي فوري: ليس شيئا حدث في الماضي، بل شيء موجود دائما على عتبة الباب. ستكون هناك محرقة أخرى إذا لم نستجب لكل تهديد بكامل القوة ونبيده من الجذور”.
“بعد 7 أكتوبر اندمج هذان الأمران”. وعن مقولة اللاسامية، قال إنه إذا كانت الصهيونية قادرة على أن تؤدي إلى إبادة جماعية في غزة، فهي لا تستطيع الصمود بعد الآن كأيديولوجيا، مذكّرا بأن أيديولوجيات أخرى في التاريخ بررت الإبادة الجماعية ليس لها مكان. ويدحض مزاعم إسرائيلية سائدة، قائلا: “لا يمكن أن يكون الرد على الهولوكوست إبادة جماعية أخرى. عندما نتحدث عن أن إسرائيل تتحول إلى دولة منبوذة، فهذا ليس نتاج معاداة السامية. هذا نتاج أفعال إسرائيل. هذه الأفعال نزعت الأرض من تحت الحجج الوجودية التي كانت لديها”.
وعن ذريعة السابع من أكتوبر، يضيف بارطوف: “ما فعلته حماس في 7 أكتوبر كان جريمة حرب. يمكن بسهولة تعريفها كجريمة ضد الإنسانية. كنت أفضل رؤية قادة حماس يُقبض عليهم ويُحاكمون إلى جانب بعض القادة الإسرائيليين – كانت ستكون محاكمة تستحق المشاهدة. بدلا من ذلك، فعلت إسرائيل ما تفعله وقتلتهم”.
ويرى المؤرخ الإسرائيلي أن المقاومة للاحتلال، والحصار، ومقاومة محاولة السيطرة على شعب يحاول تحقيق تقرير مصير وطني، هي مشروعة، مذكّرا بأن منظمات الهاغاناه والإيتسل وليحي فعلت ذلك، وكذلك المقاومة الفرنسية، والمقاومة داخل ألمانيا، والثوار، وانتفاضة غيتو وارسو. ويضيف: “المقاومة المسلحة مشروعة تماما، حتى بموجب القانون الدولي، لكنها لا تمنح الحق في ارتكاب مذابح”.
هل تعتقد أن هذا كان هدف حماس؟ المقاومة للاحتلال؟
“قادة حماس ماتوا، لكن ما أرادوا تحقيقه نجح. إسرائيل دمرت غزة، لكنها لم تقض على حماس. ما أرادته قيادة حماس كان كسر الحصار من الإطار الذي أدار فيه نتنياهو الصراع ولم يهتم أحد – لا الدول العربية، ولا المجتمع الدولي، ولا أنظمة الانتخابات في إسرائيل. حماس حولته إلى صراع إقليمي. حاربت إسرائيل هذا العام في لبنان، وسوريا، وإيران، واليمن، وغزة، والضفة الغربية. من وجهة نظر الجناح المتطرف لحماس، المشابه بشكل مذهل لتفكير سموتريتش وبن غفير، حققوا هدفهم. كانوا يعلمون أن الثمن سيكون رهيبا، لكن بالنسبة لجهات فاعلة مسيحانية، الثمن مقبول”.
بين حرب الإبادة وبين النكبة
ويطلق بارطوف سهام نقده للولايات المتحدة في موضوع جرائم الاحتلال في غزة، قائلا: “الرئيس بايدن ووزير الخارجية أنتوني بلينكن لم يفعلا شيئا. كان بإمكانهما إنهاء ذلك بسهولة. كان بإمكانهما أن يقولا لنتنياهو: لديك أسبوعان لإغلاق الحدث، أو أنت وحدك. كان سيتوقف في غضون ساعات”.
يقول بارطوف إنه في أيار/ مايو 2024، كان واضحا بالفعل أن الممارسة في الميدان كانت تدميرا منهجيا لغزة، ومنطقها هو التطهير العرقي
وضمن مقاربته بين حرب الإبادة والنكبة، يقول بارطوف إنه في أيار/ مايو 2024، كان واضحا بالفعل أن الممارسة في الميدان كانت تدميرا منهجيا لغزة، ومنطقها هو التطهير العرقي. لكن على عكس 1948، لم يكن التطهير العرقي ممكنا لأنه لم يكن لدى أهل غزة مكان للفرار. كما في حالات عديدة في الماضي، بما في ذلك الهولوكوست، عندما تفشل محاولة إزالة مجموعة عرقية من منطقة تحت سيطرتك لأنه ليس لديها مكان تذهب إليه، يصبح الحل هو قتلها. هذه إبادة جماعية”.
وردا على سؤال حول مزاعم الاحتلال، يؤكد المؤرخ الإسرائيلي أنه حتى لو كان هناك عشرة أضعاف مقاتلي حماس تحت كل مستشفى، لم يكن ذلك ليبرر الإبادة الجماعية في غزة. كما يقول إن حماس حركة متطرفة استخدمت وسائل وحشية ليس فقط ضد إسرائيل بل أيضا ضد السكان الغزيين أنفسهم، والسؤال الحقيقي هو كيف نقاتل ذلك – هل نفعل ما فعله الروس في الشيشان ونسوّي كل شيء بالأرض؟ هذا ما فعله الجيش الإسرائيلي، وهو في الواقع مخالف لروح الجيش الإسرائيلي نفسه.
ويتابع: “ستُسجل الحرب في غزة كفشل ذريع، إلى جانب فشل 7 أكتوبر. من الناحية العسكرية، كانت الحملة في غزة رديئة. دخلوا من الشمال ودفعوا الناس جنوبا، على أمل أن تسمح مصر لهم بالمغادرة، أو أن إريتريا أو إندونيسيا أو صوماليلاند ستستقبلهم. كان هذا مجنونا. كانت النتيجة دمارا منهجيا”.
ويمضي في دحض ادعاءات الاحتلال بالقول إنه “كان واضحا بالفعل أن الهدف ليس تدمير حماس وتحرير المختطفين، بل تحويل غزة بشكل منهجي إلى مكان غير صالح، فإذا لم يكن بالإمكان إدارة الصراع، فيمكن إنهاؤه”.
متى شعرت لأول مرة أن إسرائيل تسير إلى مكان لا يمكنها العودة منه؟
“بدأت أفكر في ذلك بمصطلحات سياسية خلال الانتفاضة الأولى. أنهيت الدكتوراه عام 1983، ونشرت كتابا عن الجيش الألماني عام 1985، وفي 1987 اندلعت الانتفاضة. كنت ضابط احتياط، وقال لنا رابين أن نكسر لهم الأيدي والأرجل. كتبت لرابين، قلت إنني رأيت في الجيش الإسرائيلي سلوكا تعرفت عليه من بحثي عن الفيرماخت. وللمفاجأة، أجاب. غضب من المقارنة بين جنود الجيش الإسرائيلي والجنود الألمان”.
وهذا، برأيه، يتكرر أيضا في غزة: “التقارير التي رأيتها من غزة تصف ما يبدو كميليشيات داخل الجيش – وحدات تعمل وفقا لروح القائد المحلي الذي يعطيها أوامر مسيحانية. يصلون قبل المعركة، والصلوات ليست إنسانية بشكل خاص. المجتمع الإسرائيلي شهد تطرفا دينيا عميقا. نفس النمط تسلل إلى الشاباك، وبالتأكيد إلى الشرطة. كان للنازية والفاشية علاقات معقدة مع الدين المؤسسي. أرادوا احتكار السلطة ولم يريدوا مشاركتها مع البابا أو مع الكنائس البروتستانتية. لكنهم تحولوا إلى أديان سياسية بأنفسهم، مع دوتشي أو فوهرر على رأسها. في إسرائيل حدث شيء مواز: تحول جذري لليهودية إلى دين سياسي، منسوج بتفسير معين للصهيونية. ليست نسخة بن غوريون، بل أيديولوجيا مسيحانية يهودية جذورها تعود إلى الحاخام كوك”.
شرعية الإبادة
ويقول إنه لا يحب تسمية ما يحدث في إسرائيل بالفاشية، ويرى أنه شيء آخر، كما أن ما حدث في هنغاريا وبولندا وتركيا أو روسيا ليس بالضبط فاشية.
ويضيف: “في إسرائيل شرعية إلهية أو حاخامية للإبادة الجماعية. هذا يخلق شرخا عميقا ومتزايدا مع يهود العالم، وخاصة مع يهود أمريكا، الذين لا يستطيعون قبول ذلك. لا يمكن أن تكون أقلية يهودية ليبرالية في أمريكا، وفي الوقت نفسه تدعم ما تفعله إسرائيل”.
كيف ترى التغيير في مفهوم معاداة السامية؟ يرد على هذا السؤال بالقول:
“هناك عمليتان تتحركان في اتجاهين متعاكسين. الأولى بدأت قبل 7 أكتوبر بوقت طويل، تمثلت بمحاولة إسرائيل ومؤيديها في جميع أنحاء العالم تحديد كل انتقاد للدولة كمعاداة للسامية. بعد 7 أكتوبر، استُخدمت لتأطير الاحتجاجات ضد الحرب كمعاداة للسامية. بالطبع كانت هناك تعبيرات معادية للسامية في هذه الاحتجاجات، لكنها لم تكن دافع معظم المشاركين. جزء من التأطير كان سخيفا من الأساس، مثل الادعاء بأن “من النهر إلى البحر” هي دعوة فلسطينية لإبادة اليهود. “من النهر إلى البحر” هي في الأصل شعار يهودي – غنى التصحيحيون “ضفتان للأردن، هذه لنا، وهذه أيضا”. ومع ذلك، كان التأثير حقيقيا: إسكات في الحرم الجامعي الأمريكي، وترهيب الطلاب والمحاضرين والإداريين. هذا الاتجاه هو إسكات للأصوات الانتقادية، وليس فقط فيما يتعلق بإسرائيل”.
ويرى أن العملية المعاكسة هي أن تحويل معاداة السامية إلى سلاح سياسي يعمل كأفضل غطاء لمعاداة السامية الحقيقية. ويضيف: “معاداة السامية الأيديولوجية كانت دائما في اليمين، وليس في اليسار. القتل الجماعي لليهود، من قبل النازيين أو قبل ذلك في أوكرانيا، نفذته قوى محافظة وعنصرية وقومية”.
ومعلقا على التحولات العميقة في أمريكا اليوم، يخلص المؤرخ الإسرائيلي إلى استنتاج مدهش: “إسرائيل، في ادعائها أنها الممثل الأصيل ليهود العالم، تحول نفسها إلى أفضل ذريعة لهذا الانبعاث، وقد تكون لذلك تداعيات بعيدة المدى. ترامب عنصري، لكن من سيأتي بعده قد يكون معاديا حقيقيا لإسرائيل يقطع العلاقة الوثيقة بين البلدين”.
