ماذا يُخطِّطون لغزة؟!
ماذا يُخطِّطون لغزة؟!
2025 Feb,26
قال، مائير بن شبات، المستشار البارز للأمن القومي الإسرائيلي، من العام 2017 إلى 2021، وهو رجل الأمن المقرب من نتنياهو، وهو أيضاً رئيس معهد «مسغاف» للدراسات اليهودية بالقدس، في صحيفة «إسرائيل هيوم» قبل أيام: «علينا أن نحتكر المساعدات المقدمة لغزة، وأن نمنع سكان الشمال من العودة إلى بيوتهم، ويجب السيطرة على المعابر الحدودية، وإبقاء غزة مقسمة جغرافياً! ها نحن قد وصلنا لليوم التالي في غزة، ونحن نطبق التهدئة في جزئها الأول، وها نحن ننتظر نتائج القمة العربية المقرر عقدها في القاهرة يوم 4 آذار، هل سيوضع (اليوم التالي) على أجندة هذه القمة؟! وضعت حماس لليوم التالي شرطين: الأول أن مبدأ حكم غزة مبدأ فلسطيني محض، والثاني، أن تصبح حماس حزباً قوياً كحزب الله في لبنان. هذان الشرطان سيعيدان السلاح ليد حماس من جديد، لذا يجب أن تتمسك إسرائيل بنزع سلاح حماس، وإنهاء حكمها لغزة».
من المعروف أن نتنياهو زعيم مخطط إبادة غزة، يطبّق آراء مائير بن شبات، فهو قد قال في اليوم الأول لإعلان الحرب على غزة: «نريد إرجاع أسرانا، والقضاء على حركة حماس، مع عدم عودة السلطة الفلسطينية لحكم غزة».
أما رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، يهود أولمرت، فنشر للمرة الأولى خطته لمشروع السلام الذي طرحه في مفاوضاته مع الرئيس أبو مازن العام 2008، وقد اعترف في صحيفة «يديعوت أحرونوت» بأنه رفض أن يسلّم خطته تلك ورقياً لأبو مازن إلا بشرط أن يوافق عليه أبو مازن أولاً، ومما جاء في خطته أن الإسرائيليين سوف يحتفظون بالمستوطنات الكبيرة فقط مثل: «معاليه أدوميم»، «كدوميم»، «أريئيل»، وسيفككون المستوطنات الأخرى، وأن إسرائيل ستحتفظ بحوالى 5% من الضفة الغربية فقط، بينما سيحصل الفلسطينيون على حوالى 95% من مساحة الضفة الغربية، أما بالنسبة للقدس فيجب تقسيمها لتكون عاصمة لدولتين، وأن تتولى لجنة وصاية على الأماكن الدينية في القدس مكونة من: إسرائيل، فلسطين، السعودية، الأردن، والإمارات. وهو يتهم الرئيس محمود عباس بأنه أضاع هذه الفرصة، ومما جاء في خطته تلك، أن هناك ممراً سيربط الضفة بغزة، وهو قد نسي أن عملية الرصاص المصبوب واستخدام الفوسفور التي قُتل فيها أكثر من 1500 مدني في غزة بسبب حرق المباني وقتل الأُسر قد حدثت في فترة حكمه على غزة.
وهو في الوقت نفسه، نسي أنه اعترف منذ سنوات بأن الملياردير اليهودي، شلدون أدلسون مالك صحيفة «إسرائيل هيوم» حامل الجنسيتين الأميركية والإسرائيلية، وهو الداعم للحزب الجمهوري الأميركي داهمه في مقر رئاسة الوزراء وهدده بعدم التنازل عن شبر واحد من الأرض للفلسطينيين، وأن هذا الملياردير هو السبب في سجنه العام 2016 بتهمة الارتشاء عندما كان رئيساً لبلدية القدس.
كذلك، فإن الكاتب بن درور يميني كتب في «يديعوت أحرونوت»، قبل أيام، مقالاً طالب فيه قادة الجيش الإسرائيلي بأن يقضوا على حركة «حماس» (البربرية) الإرهابية قضاء تاماً، بسبب اتهام «حماس» بقتل الطفلين، أريل، وكفير المأسورين في غزة!
أما متشل ملشتن، رئيس قسم الدراسات الفلسطينية في جامعة تل أبيب، فقد ركز على اليوم التالي في غزة، فهو قد أكَّد على وجوب محافظة إسرائيل على قدرتها في الرد العسكري السريع على أي تهديد من غزة، وأن تُنهيَ تهريب السلاح، وأن تقضي على أي قدرات عسكرية في غزة، وأن تتولى أميركا الرقابة على معبر فيلادلفيا.
وهو لم يكتفِ بذلك، بل وضع خطة لليوم التالي للتهدئة، تتمثل في إيجاد جهة بديلة لحكم غزة بإشراك مصر، وأن تُنهيَ إسرائيلُ شعارَ «حماس» المرفوع في احتفالها بإطلاق سراح الأسرى وهو «نحن باقون هنا».
أما نحنُ، الفلسطينيين، فإننا لم نتفق حتى اليوم على آليات ما بعد الهدنة، لأن الانقسام لا يزال قائماً، وكان المفروض أن ينتهيَ الانقسام بسبب كوارث الخسائر في الأرواح والدمار الشامل في غزة، إذ إن كثيرين من رجال الأحزاب (الهلامية) لا يزالون يرددون الشعارات التقليدية (الشعرية) ويُنشدون الأناشيد المنسوبة للدين، التي كانت سائدة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهي شعارات خطابية أكثر منها شعارات وطنية إستراتيجية؛ فهم ما زالوا متمسكين بالمقاومة المسلحة فقط، فهي الطريق الأوحد للتحرير، وهم في الوقت نفسه يُغفلون ما جدَّ في عالم اليوم من تغيير في وسائط الإعلام والثقافة الرقمية والاقتصاد، وهم يعتبرون كل من ينتقد ممارسات هذه المقاومة المسلحة من أعداء الوطن ومن العملاء المأجورين.
كما أن هناك زعماء تقليديين لم يقرؤوا الواقع المتغير الجديد، ولا يرغبون في الاستفادة من آراء المفكرين، لأنهم يشعرون بالنقص حين ينفذون ما يراه المفكرون. هؤلاء يرون اقتباس الأفكار والاستفادة من مراكز الأبحاث نقيصة في حقهم، تشعرهم بالمهانة والضَّعة، ما يدفعهم لترسيخ التراث التقليدي المتمثل في دكتاتورية الهيمنة بالإخضاع، واستخدام القوة وفرض السيطرة بالإكراه، بصرف النظر عن إمكانية تحقيق الأهداف الوطنية المرجوة للتغيير، هؤلاء يتمسكون اليوم بمبدأ تشكيل اللجان الموالية لهم لفرض سيطرتهم عليها، وإحداث الشقاق داخل المجتمع الواحد لكي ينشغل الجمهور بنفسه، وأن يغضوا الطرف عن نقد هذه القيادة السياسية.
هناك أيضاً كثيرون من المستفيدين من التجار ومسؤولي الجمعيات غير الحكومية. هؤلاء لا يرون كارثة غزة سوى مشروع تجاري استثماري بحت، ويبحثون في هذه الكارثة عن فرص إعادة الإعمار، وآليات ترسيخ شخصياتهم لينخرطوا في سلك الإعمار لجني الأرباح. لهذا فإن القضية المركزية تتمثل عندهم في جني الربح المادي، لذلك فإنهم لا يساهمون في ترميم الخسائر وإنعاش التعليم والثقافة وإعداد الجيل الفلسطيني إعداداً للمستقبل، لذلك فإن هؤلاء لا يحاولون علاج الأمراض الاجتماعية والنفسية الخطيرة، فهم يتغاضون عن علاج الإحباط المنتشر، والرغبة في الهجرة من الوطن بين مواطنيهم، وهم يخشون علاج شذوذ الأحزاب والتيارات السياسية خوفاً.