الكاتبة : ميساء جيوسي .. باحثة دكتوراة في دارسات الأورومتوسطية
،
يشكّل اندلاع الحرب على إيران لحظة مفصلية ليس فقط على مستوى التوازنات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، بل كذلك في طبيعة الخطاب السياسي الذي يصوغ مسار الحرب، ويبرر استمرارها ويعزز ضبابية اتجاهها. وما يترتب عليها من تبعات كارثية على العالم بأسره. فقد جاء خطابالرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال هذه الحرب مختلفًا جذريًا عن الأنماط التقليدية للخطاب المؤسسي في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث اتسم بدرجة عالية من الشخصنة، والتصعيد العاطفي، والتقلب السردي، والانفصال التام عن الأطر القانونية والمؤسسية المتجذرة في النظام الأمريكي. كان ذلك جليا في كل التصريحات التي أطلقها سيد البيت الأبيض في مناسبات مختلفة وعبر وسائط متعددة.
وفي محاولة لفهم الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي في فترة ما قبل، وخلال الحرب التي لازالت تتطور وتفرض تداعياتها، نبدأ من المنطلق الذي يفترض بأن اللغة لا تعكس الواقع فحسب، بل تسهم في بنائه وتشكيله. فالخطاب السياسي على وجه الخصوص، وفق هذه المقاربة، هو ممارسة اجتماعية وسياسية تحمل في طياتها نهجا يعكس علاقات القوة، واتجاهات التحالفات. ومن هنا، يصبح خطاب الحرب ليس مجرد وصف للأحداث، بل فعلًا سياسيًا يساهم في إعادة تعريف ما يقصد بمصطلح ال “تهديد”، وما هو “مشروع”، ومن يمتلك الحق في استخدام القوة وضد من، وكيف ننزع عن الأعداء صبغة الإنسانية فيصبح قتلهم وابادتهم فعلا مقبولا للرأي العام..
في هذا السياق، يُلاحظ أن خطاب ترامب منذ بداية الحرب قد انخرط بوضوح في عملية أمننه (Securitization) لإيران، حيث تم تصويرها بوصفها تهديدًا وجوديًا يتطلب استجابة استثنائية. غير أن هذه الأمننة لم تمر دون اعتراض، إذ حذّر عدد كبير من خبراء القانون الدولي من أن مبررات الحرب لا تستوفي شروط الدفاع عن النفس، وذهب بعضهم إلى اعتبارها “انتهاكات خطيرة للقانون الدولي” ويكشف هذا التباين عن فجوة جوهرية بين الشرعية التي ينتجها الخطاب السياسي والشرعية التي تستند إلى الأطر القانونية الدولية.
ولا يقف خطاب ترامب عند حدود الأمننة، بل يتجاوزها إلى ما يمكن تسميته بـالخطاب الكارثي الاستعراضي، حيث تتكرر عبارات تحمل تهديدات شاملة وغير مسبوقة، مثل التحذير من “القضاء على حضارة كاملة”. هذا النوع من الخطاب لا يؤدي وظيفة ردعية تقليدية، بل يعيد تشكيل الحرب كعرض للقوة، موجه ليس فقط إلى الخصم، بل إلى جمهور داخلي وخارجي أوسع. وقد حذر خبراء عسكريون وقانونيون من أن مثل هذه التصريحات قد تندرج ضمن أشكال “ترهيب السكان المدنيين”، وتصل في محتواها للتهديد بالإبادةالجماعية لشعب بكافة مكوناته. كل هذه التبعات التي يتضمنها خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تخلو من كونه يمتلك الوعي الكافي لفهم ما يتضمنه هذا الخطاب من تبعات قانونية ومادية، تصل .
ومن أبرز سمات هذا الخطاب كذلك عدم الاتساق السردي، حيث يجمع بين إعلان “النصر الكامل” والاستمرار في التهديد بالتصعيد. وقد لاحظ محللون وجود فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، ووصفت بعض التقييمات هذه التصريحات بأنها مضللة أو متناقضة. غير أن تحليل الخطاب يسمح بقراءة هذا التناقض بوصفه غموضًا استراتيجيًا مقصودًا، يتيح للقائد إعادة صياغة الموقف وفق تغير الظروف، دون الالتزام بسردية واحدة ثابتة.
ويرتبط بذلك أيضًا سيولة الأهداف، حيث تتغير مبررات الحرب في خطاب ترامب بين منع الانتشار النووي، وإضعاف القدرات العسكرية، والسيطرة على الموارد، وتحقيق الاستقرار الإقليمي. وقد وصف منتقدون هذه الأهداف بأنها “غير محددة”، ما يعكس نمطًا من الخطاب يمكن وصفه بـما بعد العقلاني، حيث لا تُشتق السياسات من أهداف واضحة، بل تُعاد صياغة الأهداف لتبرير السياسات القائمة.
كما يتسم خطاب ترمب ببعد واضح من نزع الإنسانية عن النظام الإيراني ليبرر استخدام لغة القوة المفرطة والتدمير الشامل، وهو ما يعزز صورة القائد الحازم والقادر على فرض الهيمنة. وقد اعتبر بعض الخبراء هذا الخطاب “لا إنساني”خاصة في سياق التهديد باستهداف بنى تحتية مدنية، ما يساهم في إعادة تعريف حدود المقبول في استخدام القوة.
إلى جانب ذلك، يبرز في خطاب ترامب بعد اقتصادي صريح، خصوصًا فيما يتعلق بالموارد النفطية، حيث تم توظيف خطاب يربط الحرب بالمصالح الاقتصادية بشكل مباشر، ويعكس هذا التحول انتقالًا من خطاب قائم على القيم والمعايير إلى خطاب يقوم على المصالح المادية المباشرة.
ومن اللافت أيضًا غياب تصور واضح لنهاية الحرب، رغم تكرار إعلان “النصر”، وهو ما يخلق مفارقة خطابية بين حرب يُعلن انتهاؤها وأخرى تستمر فعليًا. ويمكن تفسير ذلك ضمن إطار خطاب الأزمة الدائمة، حيث تصبح الحرب حالة مستمرة وليست حدثًا محدودًا بزمن. أما على المستوى المؤسسي، فيعكس الخطاب توجهًا نحو مركزية السلطة التنفيذية، مع تراجع دور المؤسسات التقليدية، وهو ما أثار انتقادات من خبراء قانونيين بشأن تجاوز الأطر الدستورية. وهنا، لا يكتفي الخطاب بتبرير السياسة، بل يساهم في إعادة تشكيل موازين السلطة داخل النظام السياسي نفسه. وأخيرًا، لا يمكن إغفال البعد الداخلي في هذا الخطاب، حيث يبدو أنه موجه بدرجة كبيرة إلى الجمهور المحلي، مع التركيز على القوة والانتصار والهوية الوطنية. وقد ربط بعض المحللين بين هذا الخطاب والاعتبارات الانتخابية، ما يشير إلى أن الحرب تُستخدم أيضًا كأداة في الأداء السياسي، حيث تصبح اللغة وسيلة لحشد الدعم وتشكيل الرأي العام. في ضوء ما سبق، يتضح أن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال حرب إيران 2026 لا يمكن فهمه من خلال المقاربات التقليدية وحدها، بل يتطلب توظيف تحليل الخطاب بوصفه أداة تكشف عن كيفية إنتاج المعنى والشرعية والسلطة. كما يكشف هذا الخطاب عن تحول أعمق في طبيعة السياسة الدولية، حيث لم تعد الحرب مجرد فعل عسكري، بل أصبحت أيضًا ممارسة خطابية تُصاغ فيها المعاني، وتُعاد من خلالها تشكيل قواعد النظام الدولي.
نختم بالقول، في خضم الحرب على إيران، جاء خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حادًا ومشحونًا بلغة القوة، حيث سعى إلى تقديم طهران باعتبارها تهديدًا وجوديًا يستدعي تحركًا عسكريًا حاسمًا، مستخدمًا عبارات تصعيدية تحمل في طياتها رسائل ردع نفسي بقدر ما تعكس رغبة في فرض الهيمنة. وفي الوقت الذي أعلن فيه مرارًا تحقيق “نصر كامل” وتدمير قدرات إيران، استمر في التلويح بمزيد من التصعيد، ما يعكس تناقضًا مقصودًا يمنحه مساحة من المرونة السياسية. كما اتسم خطابه بغموض في تحديد الأهداف، متنقلًا بين منع التسلح النووي وإضعاف النظام الإيراني وحماية المصالح الأمريكية، في صيغة خطابية تسمح بإعادة تفسير مسار الحرب وفق تطوراتها. ولم يخلُ الخطاب من توجيه واضح للداخل الأمريكي، إذ حرص على إبراز صورة القيادة القوية والحاسمة، في وقت جمع فيه بين التهديد والدعوة إلى التفاوض، ليقدم نموذجًا للدبلوماسية القسرية التي تمزج بين الضغط العسكري والانفتاح السياسي.
