فيينا/سما يقع داخل قصر بالايس مولارد التاريخي الذي يعود إلى القرن السابع عشر في فيينا متحف غلوب، المتحف العام الوحيد في العالم المخصص بالكامل للكرات الأرضية، ويعرض أكثر من 220 كرة أرضية وسماوية قديمة ونادرة، معظمها من قبل عام 1850، تبدأ من الكرات الضخمة الحجم وصولًا إلى نسخ صغيرة قابلة للطي.

بيد أن هذه المجموعة الفريدة من نوعها لا تسرد تاريخ الجغرافيا وحده، بل تكشف الكيفية التي تصور بها الإنسان كوكب الأرض والسماء على مدار القرون. يقول مدير المتحف نيكولاوس شوبيسبرغر: “تُظهر الكرات الأرضية كيف تغير تصورنا لكوكبنا، وهذا هو المكان الوحيد في العالم الذي يمكنك فيه رؤية هذا العدد الكبير منها معاً”.

يبدأ الزائر جولته في القاعة المسماة “الخزانة الذهبية”، وهي قاعة فاخرة تزينها جداريات عمرها قرون تصور مشاهد من الأساطير اليونانية، وتضم أدوات فلكية وجغرافية بينها مجسمات توضح دوران الأرض حول الشمس وكرات سماوية تمثل حركة الأجرام السماوية. ثم يقود المسار إلى أربع قاعات رئيسية يسودها صمت شديد حتى يكاد الزائر يسمع خطواته بين خزائن العرض الزجاجية.

من بين أبرز المعروضات كرتان تعودان إلى منتصف القرن السادس عشر، إحداهما أرضية والأخرى سماوية، صنعهما الحرفي نفسه بفارق نحو عشر سنوات. تظهر في الكرة الأرضية الأولى أوروبا والبحر المتوسط وسواحل أفريقيا بأسمائها، بينما تبدو أمريكا الشمالية كأنها تتلاشى في مناطق قطبية لم تكن معروفة آنذاك، وتظهر آسيا مشوهة وقارة جنوبية متخيلة بدلاً من أستراليا والقارة القطبية الجنوبية، وتنتشر وحوش بحرية في المحيط الهادئ حيث توجد جزر معروفة اليوم. في الكرة السماوية، تختلط المعارف الفلكية بشخصيات من الأساطير اليونانية مثل الحصان المجنح بيغاسوس والبطل اليوناني بيرسيوس.

كل كرة أرضية لا تحكي فقط ما كان الناس يعرفونه، بل تعكس أيضًا ما كانوا يجهلونه. في بعض الكرات، تملأ التنانين والوحوش البحرية المناطق التي لم يستكشفها البشر بعد، وفي أخرى تظهر ولاية كاليفورنيا الأمريكية كجزيرة، في تصور جغرافي كان سائدًا لفترة من الزمن. وتحمل بعض القطع آثارًا من النظرة الاستعمارية لذلك العصر، من خلال رسوم تصور السكان الأصليين بطريقة نمطية وتظهر الأعلام الإسبانية والبرتغالية على أجزاء من الساحل الأفريقي في إشارة إلى مفهوم “الملكية” السائد آنذاك.

يقول شوبيسبرغر: “إنها جزء من ذلك التفكير الاستعماري، ولذلك فهي أعمال فنية جميلة، لكن علينا أيضًا أن نفكر في الحقبة التي صنعت فيها”.

من القطع المفضلة لدى مدير المتحف كرة قمرية من عام 1961، رُسم فيها الجزء المرئي من القمر بدقة، بينما تُرك الجزء الآخر أبيض تمامًا لأن البشر لم يكونوا قد شاهدوا الجانب البعيد من القمر بعد. وبعد عامين فقط، ظهرت نسخة جديدة من الكرة نفسها، أضيف إليها الجزء الذي أصبح معروفًا بعد استكشاف الجانب البعيد من القمر، مما يجسد الفكرة الأساسية للمتحف: أن العالم الذي نراه على الكرة الأرضية ليس ثابتًا بل يتغير كلما اتسعت حدود المعرفة البشرية.

من أبرز المعروضات أيضًا نسخة من “كرة بيهايم”، التي أنجزها مارتن بيهايم عام 1492، وهو العام نفسه الذي أبحر فيه كريستوفر كولومبوس غربًا. تعرض الكرة عالمًا لا وجود فيه للأمريكتين بعد، فبين أوروبا وآسيا تمتد مساحة واسعة من المحيط. يشير شوبيسبرغر إلى أن “الكرة الأرضية شيء رائع لأنها نموذج مصغر لكوكبنا، ويمكنك أن تحكي من خلالها قصص العالم: المناخ والجيولوجيا والتضاريس وطرق التجارة وكل شيء”.

تكشف الجولة أيضًا كيف تغيرت مكانة الكرة الأرضية نفسها عبر الزمن. كانت في بداياتها مقتنيات فاخرة لا يستطيع اقتناءها سوى النبلاء والتجار الأثرياء، لكن مع الوقت أصبحت أصغر حجمًا وأقل تكلفة وأكثر انتشارًا، ودخلت المدارس والمنازل وتحولت لتصبح ألعابًا للأطفال. واليوم أصبحت شيئًا مألوفًا إلى درجة أن وجودها في الفصول الدراسية يكاد لا يلفت الانتباه.

رغم انتشار التكنولوجيا وتوفر خرائط العالم بضغطة زر، لا تزال الكرة الأرضية تحتفظ بقدرة خاصة على إثارة الفضول. يقول شوبيسبرغ: “الكرة الأرضية ليست مجرد أداة علمية، إنها أيضًا شيء يتيح لك أن تحلم ببلدان بعيدة”. هذا الجانب هو ما جذب شوبيسبرغر منذ طفولته، عندما كان مفتونًا بالسفن ووحوش البحر والمخلوقات الأسطورية التي كانت تملأ المساحات الفارغة في الخرائط القديمة، فبدأ وهو في السادسة من عمره يرسم خرائطه الخاصة للعالم.

تشارك الكاتبة جي إف بن هذا الشعور. تعرفت على المتحف صدفة أثناء كتابتها روايتها “رمح القدر”، وجدت نفسها تقضي وقتًا أطول بكثير مما كان مخططًا له. ما جذبها بشكل خاص هو “الكرات الأرضية العتيقة الضخمة التي تغطيها آثار الزمن والاستخدام”، وتساءلت عن عدد الأيدي التي أدارت هذه الكرات عبر الأجيال وما إذا كان أصحابها قد تخيلوا يومًا السفر إلى الأماكن البعيدة.

لا تنتهي حكاية الكرات الأرضية عند أبواب المتحف. في أنحاء فيينا، توجد نحو 50 كرة أرضية أخرى مثبتة فوق أسطح المباني وواجهاتها قد لا يلاحظها المارة إلا إذا رفعوا أنظارهم. يعرض المتحف مواقع هذه الكرات على خريطة افتراضية ضمن أحد معارضه الجديدة، في محاولة لتحويل المدينة نفسها إلى امتداد للمتحف، مما يعكس رسالة المتحف الأساسية: أن العالم ظل البشر يرسمونه ويعيدون تخيله كلما تغيرت حدود معرفتهم.

شاركها.