بكين/سما تحتفظ كنوز المدينة المحرّمة بقطعة فنية استثنائية من عهد أسرة تشينغ، مزهرية زجاجية صغيرة جريئة في تصميمها، تثير فضول المتخصصين وتكشف عن حوار حضاري بين الشرق والغرب امتد إلى قلب الحياة الإمبراطورية الصينية. المزهرية، التي لا يتجاوز ارتفاعها 20 سنتمتراً بقليل، تتزيّن بشرائط حمراء وبيضاء وزرقاء ملتفة حول جسدها، وتتلوّن قاعدتها وفوهتها بالأخضر الزمرّدي، ما يمنحها مظهراً عصرياً يستحضر فن الزخرفة في ستينيات القرن العشرين.

تحمل المزهرية علامة الإمبراطور تشيان لونغ بأحرف صينية نُقشت على جسدها، وهي من أشهر الأختام التي أثّرت على مئات الآلاف من الأعمال الفنية خلال فترة حكمه الطويلة التي امتدت ستة عقود في القرن الثامن عشر. أسطورة تاريخ الفن تشهد على أن تشيان لونغ كان من أعظم جامعي الأعمال الفنية، متمتعاً بذوق فخم وموارد مالية لا تُحصى، وكان فلسفته الفنية ترتكز على مبدأ “المزيد هو الأفضل”، حيث عشق وفرة الألوان والملامس والقطع الثمينة على حد سواء.

تكمن الندرة والأهمية الحقيقية لهذه القطعة في طبيعة صناعتها وأسلوبها المبتكر. ففي زمن كانت الصين فيه متفوقة جداً على العالم في صناعة الخزف والورنيش، لكنها تخلّفت نسبياً في تقنيات الزجاج رغم معرفتها بهذه المادة منذ أكثر من ألفي سنة، جاءت هذه المزهرية الملوّنة بأسلوب زخرفي غير مألوف لتمثل طفرة فنية. المزهريات الزجاجية الصينية الأخرى كانت غالباً صغيرة وبسيطة وأحادية اللون، لذلك كان ظهور قطعة متعددة الألوان بهذا الأسلوب المميز بمثابة ابتكار لافت للنظر، ربما أذهل الإمبراطور نفسه.

يرجح المتخصصون أن هذه المزهرية صُنعت على يد حرفي أوروبي، أو بمساعدة تقنيات ومواد أدخلها مبشرون عملوا في الورش الإمبراطورية الشهيرة التي تُعرف باسم “zaobanchu”، والتي كانت منتشرة في المدينة المحرّمة ومناطق أخرى متخصصة تشمل أقساماً للرسم والمنسوجات ونحت الخشب. عملية صناعة المزهرية نفسها تشبه سحب الحلوى الساخنة، حيث يسحب الحرفيون الزجاج الملوّن الساخن ليصبح خيوطاً رفيعة جداً، ثم يثبتونها على جسم المزهرية ويدحرجونها بسرعة عبر دورات متكررة من التسخين والتبريد، حتى يتشكّل نمطها الحلزوني المميز.

ماركو ألميدا، المتخصص في الفنون الصينية لدى دار كريستيز الشهيرة، يصف التقنية المستخدمة بأنها أوروبية الأصل وتشبه أسلوب “latticino” المعروف في صناعة الزجاج الفينيسي، لكن الشكل الانسيابي للمزهرية يبقى صينياً بوضوح، وكذلك علامة الإمبراطور المنقوشة عليها. يعتبر ألميدا المزهرية “زواجاً مثالياً وواضحاً بين ما هو صيني وما هو غربي”، ويشير إلى أن تحديد قيمتها المالية يكاد يكون مستحيلاً، وأنها تُعتبر تقريباً “لا تقدّر بثمن”.

كان الإمبراطور تشيان لونغ معروفاً بمتابعته الدقيقة جداً لأعمال الورش الإمبراطورية، حيث كان يوثّق كل قطعة ويُصدر تعليمات محدّدة بشأن التصميم والنسب والأحجام. ضمّت ورش “zaobanchu” في عهده قرابة ألف حرفي، كانوا يعملون تحت ضغط شديد لتلبية طلباته، مع عقوبات قد تصل إلى حرمان أحدهم من راتب سنة كاملة إذا أخفقوا في الوفاء به.

ديزي وانغ، نائبة المدير وكبيرة القيّمين في متحف قصر هونغ كونغ، تؤكد أن الإمبراطور كان يحب وفرة الألوان والملامس وكل ما هو فاخر، وكانت ستراها جميلة ومختلفة وجديدة على الإطلاق، في وقت كان الفن الإمبراطوري يشهد ازدهاراً استثنائياً خلال فترة حكمه الممتدة ستة عقود.

للمزهرية “شقيق توأم” محفوظ الآن في متحف القصر ببكين، وهي عادة شائعة في الفن الإمبراطوري الصيني، إذ كانت القطع تُصنع في أزواج وأعداد زوجية اعتُبرت جالبة للحظ. كما توجد نسخة ثالثة في متحف ومعرض بريستول للفنون في بريطانيا، لكنها أطول وذات شكل زيتوني وخيوطها الملوّنة أكثر تباعداً. تعتقد كيت نيونهام، كبيرة قيّمي الفنون البصرية في متحف بريستول، أن المزهريات ربما صُنعت في الفترة ذاتها، وأن التحليل العلمي قد يكشف عن استخدام وصفات زجاجية متشابهة، وربما حتى من الدفعة ذاتها.

تشير السجلات الإمبراطورية من عام 1753 إلى اهتمام الإمبراطور تشيان لونغ المباشر بهذا النوع من الزجاج، حيث أمر بصناعة مزيد من الأواني المصنوعة من “الزجاج المخطط” بعدما شاهد نماذج قدّمها حرفي يسوعي فرنسي. كان من العادة أن يأمر الإمبراطور بصنع أكثر من نسخة من القطع الجديدة، ما يسمح له بالاختيار بينها، ويوفّر للحرفيين فرصة التجربة واكتشاف إمكانات فنية جديدة.

القيمة الحقيقية لهذه المزهرية الصغيرة تتجاوز بكثير حجمها المتواضع. فهي شاهدة حية على حقبة استثنائية من الإبداع والتسامح الثقافي في القصر الإمبراطوري، حيث استقبل البلاط حرفيين من مختلف أنحاء الصين والعالم، وشجّع التجريب الفني والابتكار رغم السلطة المطلقة. متحف القصر في بكين يضم الآن أكثر من 300 ألف قطعة خزفية تغطي آلاف السنين من التاريخ الصيني، لكن المزهريات الزجاجية النادرة مثل هذه القطعة تظلّ استثناءات نادرة تستحق الاهتمام والدراسة المستمرة.

شاركها.