أثارت بعض التصريحات السياسية التي تختزل مفهوم الأمن القومي العربي في نطاق جغرافي محدد، خصوصًا في دول الخليج، إشكاليات تحليلية تتعلق بطبيعة هذا المفهوم وحدوده وأدواته. فالأمن القومي، وفق الأدبيات الكلاسيكية والمعاصرة في العلاقات الدولية، ليس متغيرًا أحادي البعد، بل هو نتاج تفاعل مركب بين عناصر الجغرافيا، والقدرة العسكرية، والوزن الديموغرافي، والشرعية التاريخية، والفاعلية السياسية.
وفي خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم، يطرح سؤال قديم بصيغة جديدة: من يحمي الأمن القومي العربي؟ وهل يمكن اختزال مفهوم بهذا التعقيد في جغرافيا بعينها أو في قدرات مالية أو عسكرية محدودة النطاق؟
إن التصريحات التي ذهبت إلى أن دول الخليج وحدها تمثل صمام الأمان للأمن القومي العربي تطرح إشكالية أعمق من مجرد توصيف سياسي؛ إذ تعكس خللًا في فهم طبيعة الأمن ذاته، بوصفه منظومة مركبة لا تُبنى على عامل واحد، بل على توازنات تاريخية، وجغرافية، وديموغرافية، وثقافية، وعسكرية.
لم يكن الأمن القومي العربي يومًا مفهومًا طارئًا، بل تشكل عبر عقود من التفاعلات، وكانت مصر في قلب هذا التشكّل. فالجغرافيا المصرية، الممتدة بين قارتي آسيا وإفريقيا، لم تكن مجرد موقع، بل معبرًا استراتيجيًا حاكمًا لحركة الصراع والتوازن في المنطقة. ومن هنا، لم يكن دور مصر خيارًا سياسيًا طارئًا، بل ضرورة تاريخية فرضتها معادلات المكان والزمان.
على مستوى التاريخ، لا يمكن قراءة مفهوم الأمن العربي دون استحضار محطات مفصلية كان لمصر فيها الدور الأبرز؛ من الحروب النظامية الكبرى إلى إدارة الأزمات الإقليمية، وصولًا إلى تثبيت مفاهيم الدولة الوطنية في مواجهة مشاريع التفتيت. لم تكن هذه الأدوار استعراضًا للقوة، بل تعبيرًا عن التزام بنيوي تجاه محيط عربي تتشابك فيه المصائر.
في المقابل، شهدت دول الخليج صعودًا اقتصاديًا لافتًا مكّنها من لعب أدوار مؤثرة، خصوصًا في مجالات التمويل والاستقرار الاقتصادي. غير أن تحويل هذا الدور إلى مركزية مطلقة في تعريف الأمن القومي العربي يتجاهل حقيقة أن الأمن لا يُشترى، ولا يُدار بمنطق الموارد فقط، بل يتطلب عمقًا بشريًا، وخبرة مؤسسية، وتاريخًا من التفاعل مع الأزمات.
الخلط بين القدرة والمسؤولية هو أحد أبرز الإشكالات في هذا الطرح. فامتلاك أدوات التأثير لا يعني بالضرورة القدرة على احتكار تعريف الأمن أو قيادته. الأمن القومي العربي، بحكم طبيعته، هو نتاج توازن جماعي، وأي محاولة لإعادة صياغته بشكل أحادي تحمل في طياتها مخاطر تفكيكه بدلًا من تعزيزه.
في هذا السياق، لا تتعامل مع مصر الأمن القومي بوصفه شعارًا إعلاميًا، بل كالتزام استراتيجي طويل الأمد. لم تكن يومًا دولة تبيع الوهم أو ترفع شعارات بلا مضمون، بل بنت مواقفها على حسابات واقعية، حتى حين كانت هذه الحسابات مكلفة سياسيًا أو اقتصاديًا. إن قراءة موضوعية لمعادلات القوة في المنطقة تكشف أن الأمن العربي لا يمكن أن يقوم دون مصر، كما لا يمكن أن يكتمل دون دول الخليج. العلاقة هنا تكاملية لا تنافسية، وأي خطاب يحاول استبدال هذا التكامل بمنطق الإقصاء يبتعد عن العلم السياسي بقدر ما يقترب من الخطاب الدعائي.
الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن الأمن القومي العربي ليس مشروع دولة واحدة، بل شبكة من المصالح المتداخلة، تتطلب عقلًا استراتيجيًا جامعًا لا خطابًا تجزيئيًا. وفي هذا الإطار، تبقى مصر عنصرًا محوريًا لا بحكم الخطاب، بل بحكم الجغرافيا والتاريخ والدور الممتد.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في إثبات من الأكثر حماية، بل في إعادة تعريف مفهوم الحماية ذاته، على أساس الشراكة، لا الاحتكار؛ وعلى قاعدة الفعل، لا الادعاء. وفي زمن تتكاثر فيه الشعارات، تظل الدول التي تراهن على الفعل الهادئ والعقل الاستراتيجي هي الأقدر على صناعة الأمن، لا تلك التي تكتفي بالحديث عنه. وفي السياق العربي تحديدًا، فإن هذا الدور، بما يتطلبه من عمق تاريخي وثقل بشري وخبرة تراكمية وقدرة على إدارة التوازنات، لا يجد تجسيده الكامل إلا في مصر، التي شكلت، بحكم موقعها وإرثها، الركيزة الأكثر اتساقًا واستمرارية في معادلة الأمن القومي العربي.
