في لحظة بدا فيها الخطاب الثقافي الرسمي بحاجة إلى مراجعة جادة، جاءت كلمة الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، خلال اجتماع لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، برئاسة ثريا البدوي، أمس، لتكشف عن درجة لافتة من الوعي بدور الثقافة، ليس باعتبارها نشاطًا ترفيهيًا أو موسميًا، بل كأداة مركزية في تشكيل الوعي الجمعي وبناء الإنسان.
لم يكن الحديث مجرد عرض لإنجازات أو خطط تقليدية، بل بدا أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف وظيفة الثقافة داخل الدولة، وربطها مباشرة بمفاهيم الهوية والانتماء والتماسك المجتمعي.
هذا الإدراك يتجلى بوضوح في انتقال الخطاب من التركيز على «الفعاليات» إلى التركيز على «الأثر»، وهو تحول نوعي يعكس فهمًا عميقًا لأزمة العمل الثقافي في مصر، حيث ظلت الأنشطة لسنوات طويلة حبيسة الأطر الشكلية، دون أن تلامس الواقع الحقيقي للمواطن، ومن هنا، يمكن قراءة تأكيد الوزيرة على المتابعة الميدانية باعتباره اعترافًا ضمنيًا بوجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ، ومحاولة لسد هذه الفجوة عبر إعادة توجيه البوصلة نحو الشارع.
النبرة الحاسمة التي اتسمت بها الكلمة، خاصة في رفض «ثقافة التقارير الورقية»، تعكس توجهًا إداريًا جديدًا يسعى إلى كسر الجمود البيروقراطي داخل المؤسسات الثقافية، وعلى رأسها قصور الثقافة، غير أن هذا الطرح، رغم أهميته، يضع الوزارة أمام تحدٍ حقيقي يتعلق بمدى قدرتها على تحويل هذا الوعي إلى أدوات تنفيذ فعالة، خاصة في ظل تعقيدات الجهاز الإداري وتراكم مشكلاته.
وفي سياق متصل، يبرز طرح «العدالة الثقافية» كمفهوم محوري في رؤية الوزيرة، وهو مفهوم يتجاوز الشعارات إلى محاولة بناء منظومة قائمة على البيانات، من خلال إنشاء قاعدة معلومات دقيقة للفئات المستفيدة ومواقع الأنشطة، هذا التوجه، إذا تم تفعيله بجدية، قد يسهم في إعادة توزيع الموارد الثقافية بشكل أكثر إنصافًا، ويضمن وصول الخدمة إلى المناطق الأكثر احتياجًا، بدلًا من تمركزها في نطاقات محدودة.
لكن التحدي الأعمق يظل في كيفية قياس «الأثر الثقافي»، وهو مفهوم بطبيعته معقد وغير قابل للقياس المباشر، فحين تتحدث الوزيرة عن «بناء الإنسان» و«تغيير السلوك»، فإنها تطرح أهدافًا استراتيجية طويلة المدى، تحتاج إلى أدوات تقييم مبتكرة، تتجاوز الأرقام التقليدية نحو مؤشرات نوعية أكثر دقة.
على جانب آخر، تكشف الإشارة إلى مراجعة بعض الأعمال الفنية عن استمرار حالة الشد والجذب بين حرية الإبداع ومتطلبات الرقابة، وهي إشكالية تاريخية في المشهد الثقافي المصري، ورغم محاولة تقديم الأمر في إطار التوازن، إلا أنه يفتح الباب مجددًا أمام تساؤلات حول حدود تدخل الدولة في المجال الفني.
أما البعد الدولي في الخطاب، فيعكس وعيًا بأهمية القوة الناعمة، من خلال السعي إلى إعادة تقديم الثقافة المصرية عالميًا، ليس فقط عبر المشاركة في الفعاليات، بل من خلال بناء صورة ذهنية متكاملة تعكس عمق وتنوع المنتج الثقافي المصري.
في المجمل، تكشف كلمة وزيرة الثقافة عن تحول في الوعي المؤسسي بدور الثقافة، وانتقال من منطق «إدارة الأنشطة» إلى «إدارة التأثير»، غير أن هذا التحول، رغم وضوح ملامحه، يظل مرهونًا بمدى القدرة على ترجمته إلى سياسات واقعية، تلامس حياة الناس، وتعيد للثقافة دورها الحقيقي كقوة فاعلة في تشكيل المجتمع.
