في مصر اليوم، لم تعد براءة الطفولة خطًا أحمر… بل أصبحت خطًا مُهددًا، وهشًا، يُمحى في لحظة، داخل مدرسة، أو نادٍ، أو حتى خلف باب فصل دراسي يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمنًا في حياة طفل.
الجريمة لم تعد حدثًا استثنائيًا… بل إنذارًا متكررًا بأن هناك شيئًا عفنًا يتسرب داخل جسد المجتمع، وأن “الطفل المصري” أصبح مُعرضًا للخطر أكثر من أي وقت مضى.

نحن لا نتحدث عن واقعة واحدة، ولا عن اسم واقعي لمؤسسة، بل عن منظومة كاملة تتصدع
مدارس بلا رقابة، إدارات تخشى الفضائح أكثر مما تخشى على أرواح الأطفال، كاميرات لا ترى، وموظفون يدخلون المدارس بلا فحص نفسي أو سلوكي أو حتى إنساني.

وفي وسط هذا الانهيار، يقف القانون… قانون الطفل، في وضع لا يقل خطورة.
قانون صُمِّم لعصر كان فيه ابن الخامسة عشرة لا يعرف من الدنيا إلا لعب الكرة والحصالة، قبل أن يدخل التيك توك كل غرفة، وقبل أن تتحول الهواتف إلى منصات مفتوحة على الانحراف والعنف والإباحية.

اليوم…
طفل في الخامسة عشرة يعرف ما لا يعرفه رجال في الأربعين قبل عشرين سنة.
لديه وعي جنسي، قدرة على التخطيط، أدوات للوصول إلى أسوأ محتوى في ثوانٍ.
ومع ذلك…
لا يزال القانون يعامله كـ “قاصر طيب… ضل الطريق”.

إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الجريمة في ذاتها، بل فجوة العقاب.
قانون الطفل بصيغته الحالية لا يحمي الطفل… بل يحمي الجاني إذا كان أصغر من 18 عامًا.
يُعطيه تخفيفًا، يُعطيه أعذارًا، يُعطيه فرصة جديدة… بينما الضحية تُدفن، أو تبقى مشوهة إلى آخر العمر.

المأساة في القانون الذي لا يواكب الواقع، ولا يعكس حجم الكارثة، ولا يحترم دموع أم تسير إلى قبر ابنتها وهي تعرف أن “العقوبة” ليست سوى نصف عدالة… نصف ردع… نصف قصاص.

وهنا تظهر مسئولية البرلمان والدولة:
هل يمكن أن نستمر بقانون يساوي بين طفل لم يبلغ الوعي، ومراهق مكتمل الإدراك يخطط ويهدد ويعتدي؟

الشرع واضح:
من بلغ 15 عامًا فهو مكلّف، محاسب، مسئول عن أفعاله.
والعقل أوضح:
من يعتدي على طفل يعرف تمامًا ما يفعل… ويعرف لماذا يفعله.

لهذا، لم يعد الحديث عن “تعديل مادة” رفاهية تشريعية…
بل ضرورة وطنية.

مطلوب — فورًا — ثورة تشريعية حقيقية تعترف بأن زمن الطفولة تغيّر وأن خطر الجريمة تغيّر معه:

* رفع المسئولية الجنائية الفعلية للجرائم الكبرى: القتل، الاغتصاب، هتك العرض
* إلغاء أي تخفيف لعقوبة المعتدي على طفل، مهما كان عمره
* رقابة صارمة على المدارس — لجان مفاجئة، فحص أمني ونفسي، تقارير دورية
* تجفيف منابع الخطر الرقمي: حجب المواقع الإباحية، مطاردة الدارك ويب، ضبط المحتوى المنفلت
* إنشاء وحدات حماية طفل داخل المدارس بصلاحيات حقيقية لا شكلية
* برامج نفسية وتربوية إلزامية لكل من يعمل مع الأطفال

لأن الحقيقة التي نخجل من مواجهتها هي التالية:

مصر اليوم لا تواجه مجرمًا… بل تواجه منظومة فشلت في حماية أصغر مواطنيها.
وكل يوم تأخير… يعني طفلًا جديدًا على حافة الخطر.

قد يقول البعض: “العقوبة صدرت… العدالة أخذت مجراها.”
لكن الحقيقة المرّة تسألنا:
هل تكفي سنوات السجن لراحة قلب أم فقدت ابنتها؟
هل تكفي لشفاء طفل يرى نفسه مكان الضحية في كل كابوس؟
هل تكفي لردع من تسول له نفسه الاعتداء من جديد؟

العدالة ليست سنوات تُكتب في حكم… العدالة أن تمنع الجريمة التالية قبل حدوثها.

أطفال مصر لا يملكون أصواتًا في البرلمان، ولا يمسكون أقلامًا لكتابة القوانين.
لكن صراخهم — الصامت — يملأ البلد كله.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يواجهه صانع القرار، والنائب، والوزير، وكل مسؤول:

هل نجرؤ على تعديل قانون الطفل… أم ننتظر الجريمة القادمة ؟

شاركها.