أعلنت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة المقبلة من الإصدار الحادي والخمسين ضمن سلسلة «زاد الأئمة والخطباء»، بعنوان: «إتقان العمل واجب ديني وحضاري».
الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة المقبلة عن إتقان العمل
وأضافت الأوقاف، في بيان لها، أن الهدف المراد توصيله من موضوع خطبة الجمعة المقبلة هو التوعية بأهمية إتقان كل امرئٍ لعمله، وأثر ذلك في بناء المجتمع وتشييد الحضارة، موضحة أن موضوع الخطبة الثانية عن الاحتيال المالي ومشكلة المستريح ضمن مبادرة صحح مفاهيمك.
وإليكم نص موضوع خطبة الجمعة المقبلة في السطور التالية..
إتقانُ العملِ واجبٌ دينيٌّ وحضاري
الحمدُ للهِ الذي أحسنَ كلَّ شيءٍ خلقَه، وأتقنَ كلَّ ما صَنعَه، وأبدعَ الموجوداتِ على غير مثالٍ سبق، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ، خيرِ من قامَ بما أُمرَ به من ربِّه، فبلَّغَ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وبذلَ في سبيلِ ذلك كلَّ جهدٍ، حتى أشرقت بنور دعوته الآفاق، واهتدت به القلوبُ بعد ضلال.
أما بعدُ
فقد أولتِ الشريعةُ الإسلاميةُ قضيةَ العملِ عنايةً كبرى، وكيف لا، وفي إتقانِه تُبنى الحضاراتُ، وترتقي الأممُ، وتُصانُ الكراماتُ؟! بل كيف يجتمعُ إيمانٌ صادقٌ مع إنسانٍ لا يُحسنُ العملَ، ولا يُجيدُ ما وُكِلَ إليه؟! فبقدرِ ما يكونُ الإيمانُ راسخًا في قلبِ المؤمن، بقدرِ ما يتجلّى أثرُه في إتقانِ صَنْعتِه، وحُسنِ أدائِه، والقيامِ بأعباءِ وظيفتِه على أكملِ وجه؛ إذ الإيمانُ الحقُّ منهج تربية يدعو المؤمن إلى إتقان ما يناط به وإليك بيانُ ذلك:
الإيمان يعلم الإتقان سواء في العبادة أو في غيرها
جاء الإسلامُ بمنهجٍ قويمٍ يُؤكِّدُ من خلاله أنَّ الإتقانَ غايةٌ ساميةٌ يقصِدها الشرعُ الشريفُ من وراءِ الأوامرِ والنواهي؛ ليَنطلِقَ المؤمنُ، وقد تشرَّبَ هذا المعنى، إلى القيامِ بما أناطَه اللهُ به من أعمالٍ، تعودُ على الإنسانيةِ بالنفعِ والخير، وتُشيِّدُ صروحَ العمرانِ على أساسٍ من الإخلاصِ والإحسان.
ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاُ} [الملك: ٢]، ولم يقل أكثر عملًا، بل أحسن عملًا، فكأنه يلفت أنظارنا إلى قضية الإتقان وليس الكم.
ويغرس فينا النبي صلى الله عليه وسلم خلقًا جليلًا، هو المصاحب للمؤمن في سيره إلى مولاه جل جلاله، ألا وهو المراقبة، فيقول مُجيبًا عن سؤال جبريل عن الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [رواه مسلم]، فاستشعار المؤمن بأن الله يراه، واستحضاره لهذا المعنى كفيلٌ بأن يعينه على إحسان العبادة وإتقان العمل.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللهَ» [متفق عليه]، وعن عثمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِه» [رواه مسلم].
بل إن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ كان يُحَدِّثُ “أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ، فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ”، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ» [رواه مسلم].
ويحذِّر صلى الله عليه وسلم من حال من لم يتحقق بمعاني الإيمان، فلم يحسن القيام بما أمر به، فكأنه أشار إلى أن عدم إحسانه في أجَلِّ الأمور سينتج عنه لا محالة عدم إحسان في سائر أموره؛ فعن أبى سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَسْوَأَ النَّاسِ سَرِقَةً، قال: الَّذِى يَسْرِقُ صَلاتَهُ»، قالوا: يا رسول الله، كيف يسرقها؟ قال: «لا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلا سُجُودَهَا» [رواه أبو يعلى في مسنده].
الإتقان أساس انتظام الكون
الإتقانُ منهجُ حياةٍ وسُنَّةُ كون؛ به تنتظمُ الأمور، وتستقيمُ الأحوال، وتبلغُ الأعمالُ غاياتِها في الكمال، فهو الميزانُ الذي تُوزَنُ به قيمةُ الإنسان، والمعيارُ الذي تُقاسُ به حضارةُ الأمم؛ إذ لا قيامَ لعمرانٍ، ولا ازدهارَ لحضارة، إلا إذا قامَت على أكتافِ أناسٍ يُحسنون ما يعملون، ويؤدّون ما أُسندَ إليهم بإخلاصٍ وإحكام.
ومن يتأمّل هذا الوجودَ يدرك أن الإتقانَ هو سرُّ انتظامه وجماله؛ نظامٌ دقيق، وتناسقٌ بديع، يشهد بأن الإتقانَ هو الأصلُ الذي تقوم عليه الحياة، ومن هنا كان لزامًا على الإنسان أن يجعلَ الإتقانَ سبيلَه في كلِّ شأن، في عبادته، وعمله، ومعاملاته؛ ليكون عنصرَ بناءٍ لا معول هدم، ونبعَ خيرٍ لا مصدرَ ضُر.
قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: ١٣٤] “… والمعنى: أن الله يرضى عن المحسنين جميعا، ويجازيهم على إِحسانهم أَحسن الجزاء، والإِحسان يشمل: إتقان العمل، والإِتيان به على الوجه الأكمل” [التفسير الوسيط مجمع البحوث].
وقال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: ٨٨] قال ابن عباس: “أَحْسَن كلَّ شيءٍ خلقه وأوْثَقه”. [جامع البيان للطبري]. قَالَ بَعْضُهُمْ: {أَتْقَنَ}: أحكم وأبرم، وقَالَ بَعْضُهُمْ: {أَتْقَنَ}: أي: أحسن كل شيء. [تأويلات أهل السنة للماتريدي].
وقال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: ٧]، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [ق: ٦٧]
وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: ٣٤] قال العلامة ابن عاشور: “والتعبير بوصف {الرَّحْمنِ} دون اسم الجلالة إيماء إلى أن هذا النظام مما اقتضته رحمته بالناس؛ لتجري أمورهم على حالة تلائم نظام عيشهم؛ لأنه لو كان فيما خلق الله تفاوت لكان ذلك التفاوت سببا لاختلال النظام، فيتعرض الناس بذلك لأهوال ومشاق، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: ٩٧]، وقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ} [يونس: ٥] [التحرير والتنوير].
“أي: هو سبحانه الذي خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، مع تناسقها، وإتقان تكوينها، وإحكام صنعها.. بحيث لا ترى أيها العاقل في خلق السموات السبع شيئًا من الاختلاف، أو الاضطراب، أو عدم التناسب.. بل كلها محكمة، جارية على مقتضى نهاية النظام والإبداع… فإن كنت لا تصدق ما أخبرناك به، أو في أدنى شك من ذلك، فكرر النظر فيما خلقنا حتى يتضح لك الأمر، ولا يبقى عندك أدنى شك أو شبهة… ثم لا تكتف بإعادة النظر مرة واحدة، فربما يكون قد فاتك شيء في النظرة الأولى والثانية.. بل أعد النظر مرات ومرات.. فتكون النتيجة التي لا مفر لك منها، أن بصرك بعد طول النظر والتأمل ينقلب إليك خائبا وهو كليل متعب؛ لأنه بعد هذا النظر الكثير لم يجد في خلقنا شيئا من الخلل أو الوهن أو التفاوت… ” [التفسير الوسيط].
الإتقان ضرورة إنسانية وفريضة شرعية
أكد ﷺ على أن الإتقان في العمل أمر يحبه الله تعالى فقال: «إِنَّ اللَّهَ عز وجل يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [المعجم الأوسط للطبراني وشعب الإيمان للبيهقي].
إن هذا الحديث العظيم يضع لنا قاعدةً شاملةً في حياتنا كلها، فلا يقتصر على عبادةٍ دون أخرى، ولا على عملٍ دون غيره، بل يشمل الدين والدنيا، العبادة والمعاملة، الخلق والسلوك.
يقول وُهَيب بن الوَرْد: “لا يكن همّ أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكنْ همّه في إحكامه وتحسينه، فإن العبد قد يصلّي وهو يعصي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه”. [صفة الصفوة].
وعلى ذلك فالإتقان هو: أداء العمل على أكمل وجه، مع إحكامه، وإخلاص النية فيه، فليس الإتقان مجرد إنهاء العمل، بل هو إحسانه، وتجويده، والحرص على أن يكون في أفضل صورة.
فعلى المرؤوس أن يُحْكم عمله بإخلاص وصدق وإتقان، قاصدًا بذلك النفع للمسلمين، ميسرًا لهم، باذلًا لهم العون في حدود نظام العمل [موسوعة الأخلاق للخراز]ِ.
ذلك أن الإتقان يعكس صدق الإيمان، ويُجسِّد مراقبة الله في السر والعلن، وبه تتحقق الأمانة، ويؤدَّى الحق إلى أهله دون تقصير أو تهاون، والمجتمعات المتقنة في أعمالها هي الأقدر على المنافسة والريادة، كما أن الإهمال والتسيب من أسباب التخلف وضعف الإنتاج؛ لذلك كان الإتقان واجبًا دينيًّا وضرورة إنسانية لا غنى عنها في كل زمان ومكان.
عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عن رسول الله ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» [رواه مسلم].
قال العلامة ابن علَّان المكي: “أي: أوجب وقدر على الإنسان، أي: إيقاعه على مقتضى الشرع، والإحسان يطلق على الإنعام، وعلى إتقان الفعل، أو طلب ذلك منه، واعلم أن الإحسان لُبُّ الإيمان والإسلام، بل خلاصتهما، وليس شعبة من شعب الإيمان أو ركن من أركان الإسلام إلا وقرن به إحسان لائق به؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إن اللهَ كتَبَ الإحسانَ على كل شيءٍ»، وقد بيّن القصري في كتابه شعب الإيمان في كل شُعبة من شُعَب الإيمان الإحسان اللائق بها، رزقنا الله القيام بحقوقه، وعصمنا من عقوقه”. [الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية، لمحمد بن علان المكي].
وقال ابن رجب الحنبلي: ” وهذا الحديثُ يدلُّ على وجوب الإحسانِ في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كُلِّ شيء بحسبه” [جامع العلوم والحكم].
دعوة القرآن إلى إتقان العمل
أشار القرآن في محكم آياته إلى إحكام الصنعة وإتقان العمل في غير موضع، فيقول تعالى على لسان ذي القرنين، وهو يضع أسس هذا البناء المحكم الذي قام به: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} [الكهف: ٩٥ ٩٦].
قال الحافظ ابن كثير: “وأما السد [يعني: سد يأجوج ومأجوج] فإن ذا القرنين بناه من الحديد والنحاس، وساوى به الجبال الصم الشامخات الطوال، فلا يُعرف على وجه الأرض بناء أجل منه، ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم” [البداية والنهاية، لابن كثير].
كما أشار إلى ذلك في قوله على لسان سليمان عليه السلام: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا} [النمل: ٤٤]، قال ابن كثير: “وذلك أن سليمان عليه السلام أمر الشياطين فبنوا لها قصرًا عظيمًا من قوارير؛ أي: من زجاج، وأجرى تحته الماء، فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء، ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه… وقال محمد بن إسحاق، عن “يزيد بن رومان ثم قال لها: ادخلي الصرح؛ ليريها ملكًا هو أعزُّ من ملكها وسلطانًا هو أعظم من سلطانا، فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها، لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها: إنه صرح ممرد من قوارير، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله وحده، وعاتبها في عبادة الشمس من دون الله”. [تفسير القرآن العظيم لابن كثير].
وتأمل قمة الإتقان الذي شيد به سليمان عليه السلام قصر بلقيس، فلما عاينت، علمت أنه نبي، فرجعت إلى رشدها {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} [النمل: ٤٤]، وغيره مما قصه علينا القرآن الكريم مما يثير في المسلم حماسة “الإتقان في العمل” بما يسمح للمنتج الوطني بغزو الأسواق، ورواج الصناعة على أكمل وجهٍ.
وفي قصة داود – عليه السلام: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: ١١]، “والتقدير هنا بمعنى الإحكام والإجادة وحسن التفكير في عمل الشيء، والسرد: نسج الدروع وتهيئتها لوظيفتها”. [التفسير الوسيط للقرآن الكريم، مولانا د. محمد سيد طنطاوي].
قال الإمام البقاعي: “أي: النسج بأن يكون كل حلقة مساوية لأختها مع كونها ضيقة؛ لئلا ينفذ منها سهم، ولتكن في تحتها بحيث لا يقلعها سيف، ولا تثقل على الدارع، فتمنعه خفة التصرف، وسرعة الانتقال في الكر والفر، والطعن والضرب، في البرد والحر”. [نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ١٥/٤٥٩].
وقال الإمام المناوي: “… الْإِمْدَاد الإلهي ينزل على الْعَامِل بِحَسب عمله، فَكل من كَانَ عمله أتقن وأكمل فالحسنات تضَاعف أَكثر، وَإِذا أَكثر العَبْد أحبه الله تَعَالَى”. [التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي].
وقال الإمام المناوي: “… فعلى الصانع… أن يعمل بما علمه الله عمل إتقان وإحسان؛ بقصد نفع خلق الله الذي استعمله في ذلك، ولا يعمل على نية أنه إن لم يعمل ضاع، ولا على مقدار الأجرة، بل على حسب إتقان ما تقتضيه الصنعة”. [فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي].
ضرب لنا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثلاً عملياً في تدريب النشء على إتقان العمل؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَرَّ بِغُلَامٍ يَسْلُخُ شَاةً، فَقَالَ لَهُ: «تَنَحَّ حَتَّى أُرِيَكَ، فَإِنِّي لَا أَرَاكَ تُحْسِنُ تَسْلُخُ، قَالَ: فَأَدْخَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ، فَدَحَسَ بِهَا حَتَّى تَوَارَتْ إِلَى الْإِبْطِ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَكَذَا يَا غُلَامُ فَاسْلُخْ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يَمَسَّ ماء» [رواه ابن حبان].
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: ١٥].
قوله: {في مَنَاكِبِها} قال الماوردي: “فيه أوجه: أحدها: في جبالها، قاله ابن عباس، وقتادة، وبشير بن كعب. الثاني: في أطرفاها وفجاجها، قاله مجاهد، والسُّدِّيّ. الثالث: في طرفها. الرابع: في منابت زرعها، وأشجارها، قاله الحسن” [النكت والعيون].
قال الإمام الأكبر محمد سيد طنطاوي: “فالآية الكريمة دعوة حارة للمسلمين؛ لكي ينتفعوا بما في الأرض من كنوز، حتى يستغنوا عن غيرهم في مطعمهم، ومشربهم، وملبسهم، وسائر أمور معاشهم…، فإنه بقدر تقصيرهم في استخراج كنوزها، تكون حاجتهم لغيرهم…، فعليهم أن يحتلوا مكانهم، ويحافظوا على مكانتهم، ويشيدوا كيانهم بالدين والدنيا معًا” [التفسير الوسيط].
حضارات الأمم تبنى بعقول المتقنين وسواعدهم:
قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: ٨٨].
عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ أَبَاهُ زَيْدًا أَخْبَرَهُ: “أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَالَ زَيْدٌ: ذُهِبَ بِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأُعْجِبَ بِي، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا غُلَامٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، مَعَهُ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سُورَةً، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: «يَا زَيْدُ، تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ، فَإِنِّي وَاللهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي» قَالَ زَيْدٌ: فَتَعَلَّمْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ، مَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى حَذَقْتُهُ أتقنته وأحكمته وَكُنْتُ أَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ، وَأُجِيبُ عَنْهُ إِذَا كَتَبَ” [رواه أحمد في المسند].
ولَمَّا دَخَلَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ الْمَسْجِدَ نَادَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتِهِ: أَنْ اُخْرُجْ إلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ، فَآذَى ذَلِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ صِيَاحِهِمْ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، جِئْنَاكَ نُفَاخِرُكَ، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا، قَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُلْ، فَقَامَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، فَقَالَ، وَكَانَ حَسَّانُ غَائِبًا، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ حَسَّانُ: جَاءَنِي رَسُولُهُ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ إنَّمَا دَعَانِي لِأُجِيبَ شَاعِرَ بَنِي تَمِيمٍ، فَخَرَجْتُ فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَامَ شَاعِرُ الْقَوْمِ، فَقَالَ مَا قَالَ، وَقُلْتُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ، فقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، وَلِأَصْوَاتِهِمْ أَحْلَى مِنْ أَصْوَاتِنَا. فَلَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ أَسْلَمُوا، وَجَوَّزَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ. [السيرة النبوية لابن هشام بتصرف].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «طَلَبُ الْحَلَالِ جِهَادٌ، وَإِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُحْتَرِفَ» [رواه ابن أبي الدنيا].
قال ذو النون: “ثلاثة من أعلام الخير في التاجر، ترك الذم إذا اشترى، والمدح إذا باع خوفا من الكذب، وبذل النصيحة للمسلمين حذرًا من الخيانة، والوفاء في الوزن إشفاقًا من التطفيف، وثلاثة من أعلام الخير في المكاسب، حفظ اللسان، وصدق الوعد، وإحكام العمل” [شعب الإيمان للبيهقي].
قال وهيب بن الورد: “لا يَكُنْ همُّ أحدِكم في كثرةِ العَمَلَ، ولكن ليكن هَمُّه في إحكامِهِ وإتقانِهِ، وتحسينِهِ، فإن العبد قد يصلّي وهو يعصي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه” [صفة الصفوة لابن الجوزي].
عن كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ، أَنَّهُ شَهِدَ جَنَازَةً شَهِدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا غُلَامٌ مَعَ أَبِي، أَفْهَمُ وَأَعْقِلُ، فَانْتَهَى إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمَّا مُكِّنَ لِلْمَيِّتِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِلْحَافِرِ: «خُذْ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا، وَسَوِّ مَوْضِعَ كَذَا»، حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ سُنَّةٌ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا لَا يَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَلَا يَضُرَّهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنَ الْعَامِلِ إِذَا عَمِلَ شَيْئًا أَنْ يُجَوِّدَهُ» [معجم الصحابة لابن قانع].
احتراف المهن باب رزق ومغفرة ذنوب
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا اسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَسَعْيًا عَلَى أَهْلِهِ وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا مُفَاخِرًا مُكَاثِرًا مُرَائِيًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» [مسند إسحاق بن راهوية].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ذُنُوبًا لَا تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَلَا الصِّيَامُ وَلَا الْحَجُّ وَلَا الْعُمْرَةُ» قَالُوا: فَمَا يُكَفِّرُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْهُمُومُ فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ» [المعجم الأوسط للطبراني].
كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “ما من موضعٍ يأتيني الموتُ فيه أحَبُّ إلىَّ من موطن أَتَسَوَّق فيه لأهلي أبيع وأشتري” [إحياء علوم الدين].
قال عمر رضي الله عنه: “من اتَّجَر في شيء ثلاث مرات فلم يصِبْ فيه شيئًا، فليتحول إلى غيره”، وعن الأُكَيْدِر العارِضِيّ قال: قال عمر: “تعلموا المهنةَ فإنه يوشك أن يحتاج أحدُكم إلى مِهنة” [التراتيب الإدارية لعبد الحي الكتاني].
حث الإسلام على اتخاذ المهنة للكسب مهما كانت دنيئة فهي خير من المسألة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ فَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» [رواه الترمذي].
حسن التوكل على الله من الإتقان:
قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: ٢].
قال الإمام البقاعي: “وحرف الاستعلاء “على”؛ للإشارة إلى أنه قد حمل أموره كلها عليه سبحانه؛ لأنه القوي الذي لا يعصيه شيء، والكريم الذي يحسن حمل ذلك ورعيه، والعزيز الذي يدفع عنه كل ضار، ويجلب له كل سار إلى غير ذلك من المعاني الكبار…، فمن توكل استفاد الأجر، وخفف عنه الألم، وقذف في قلبه السكينة، ومن لم يتوكل، لم ينفعه ذلك، وزاد ألمه، وطال غمه بشدة سعيه، وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي المنجحة” [نظم الدرر في تناسب الآيات والسور].
السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، ولكن تمطر ماء يشق الأرض، فيجني الإنسان ثمارها، ويعف نفسه، وينفع مجتمعه؛ لذا عليه أن يأخذ بالأسباب؛ فعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ؛ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» [رواه الترمذي وحسنه].
قال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: ٨٠]: “هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي اتِّخَاذِ الصَّنَائِعِ، وَالْأَسْبَابِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعُقُولِ وَالْأَلْبَابِ، لَا قَوْلُ الْجَهَلَةِ الْأَغْبِيَاءِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا شُرِعَ لِلضُّعَفَاءِ، فَالسَّبَبُ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ فَمَنْ طَعَنَ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ طَعَنَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنَسَبَ مَنْ ذَكَرْنَا إِلَى الضَّعْفِ وَعَدَمِ الْمِنَّةِ” [الجامع لأحكام القرآن].
أمر الله السيدة مريم – عليها السلام بهز الجذع اليابس الذي لا رأس لها ولا ثمر مع قدرته – سبحانه على إنزال الرطب إليها من غير هز أو تحريك فقال: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم: ٢٥].
قال ابن عجيبة: “إن تحريك الأسباب الشرعية لا ينافي التوكل، لقوله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ} لكن إذا كانت خفيفة مصحوبة بإقامة الدين غير معتمد عليها بقلبه، فإن كان متجردًا فلا يرجع إليها حتى يكمل يقينه، ويتمكن في معرفة الحق تعالى، وقد كانت في بدايتها تأتي إليها الأرزاق بغير سبب كما في «سورة آل عمران»، وفي نهايتها قال لها: {وَهُزِّي إِلَيْكِ}”.
قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : “كانت في بدايتها متعرفًا إليها بخرق العادات، وسقوط الأسباب، فلما تكمَّل يقينها رجعت إلى الأسباب، والحالة الثانية أتم من الحالة الأولى” [البحر المديد في تفسير القرآن المجيد].
ولله در القائل:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمَرْيَمَ… وَهُزِّي إِلَيْكَ الْجِذْعَ يَسَّاقَطِ الرُّطَبُ
وَلَوْ شَاءَ أَنْ تَجْنِيَهُ مِنْ غَيْرِ هَزِّهِ… جَنَتْهُ وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبُ
الأجر على قدر الإتقان:
يرسخ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبدأ أن إتقان العمل باب المغفرة؛ فعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ أَمْسَى كَالًّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ أَمْسَى مَغْفُورًا لَهُ» [رواه الطبراني في “المعجم الأوسط].
وعن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا ثُمْنُهَا سُبْعُهَا سُدْسُهَا خُمْسُهَا رُبْعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا» [رواه أبو داود].
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: «.. يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» [رواه مسلم].
واعلموا أن الله تعالى لا يُضيع أجر من أحسن عمله وأتقنه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: ٣٠].
إتقان العمل أمانة:
عملك أمانة ستسأل عنها يوم القيامة {وَالَّذِينَ هُمْ لَأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: ٨]، وإهمال العامل في عمله يعد خيانة للأمانة؛ لأنه مؤتمن على العمل الذي وُكل إليه، وكُلف به حيث لم يؤديه على الوجه المطلوب مع تقاضيه أجرًا عليه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: ٢٧]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [متفق عليه].
عوامل إجرائية لإتقان العمل:
إتقانُ العمل لا يتحقق إلا بخطواتٍ عمليةٍ واضحة، تُترجم القِيم إلى سلوك يومي منضبط، ومن أهم العوامل الإجرائية التي تُعين على بلوغ الإتقان:
أولًا: وضوحُ النية والغاية؛ فحين يستحضر الإنسان هدفه من العمل، ويُحسن توجيه قصده، يصبح أكثرَ التزامًا وأشدَّ حرصًا على جودة ما يقدّم؛ لأن العمل عندئذٍ يتجاوز حدود الواجب إلى معنى الرسالة.
ثانيًا: التخطيطُ الجيد؛ إذ لا إتقان بلا رؤيةٍ واضحة، وذلك بتحديد الأهداف، وتنظيم الوقت، وترتيب الأولويات، وكلها أدوات تجعل الجهد مُركَّزًا والنتائج أكثر جودة وأثرًا.
ثالثًا: اكتسابُ المهارة وتطويرها؛ فالإتقان يحتاج إلى علمٍ يُبنى عليه، ومهارةٍ تُصقل بالممارسة، وذلك بالتعلم المستمر، ومواكبة المستجدات، والتدرّب الدائم، وكلها تُنمّي الكفاءة وتدفع نحو التميز.
رابعًا: المراقبةُ الذاتية والمراجعة المستمرة؛ بأن يُحاسب الإنسان نفسه قبل أن يُحاسَب، وأن يُراجع عمله بعين الناقد لا بعين الرضا، فيُصحّح أخطاءه ويُحسّن أداءه باستمرار.
خامسًا: الالتزامُ بالمعايير الأخلاقية؛ كالأمانة، والصدق، وتحمل المسؤولية، فالإتقان الحقيقي لا ينفصل عن القيم، بل يقوم عليها ويُزكّيها.
سادسًا: إدارةُ الوقت بكفاءة؛ فحسن استثمار الزمن، وتجنب التسويف، والالتزام بالمواعيد، من أهم ما يُعين على إنجاز العمل بإتقان دون تسرّع أو تقصير.
سابعًا: العملُ بروح الفريق؛ فالتعاون وتبادل الخبرات يفتح آفاقًا أوسع للإبداع، ويُكمل نقص الفرد بخبرة الجماعة، فيرتقي مستوى الأداء العام.
ثامنًا: تقبّلُ التغذية الراجعة؛ فالإنصات للنقد البنّاء، والاستفادة من ملاحظات الآخرين، يختصر طريق التحسين ويُنمّي الخبرة.
تاسعًا: العنايةُ بالتفاصيل؛ فالإتقان يظهر في الجزئيات الدقيقة قبل الكليات الكبرى، ومن يُحسن الصغير يُحسن الكبير.
وأخيرًا: الاستمراريةُ وعدم الرضا بالحد الأدنى؛ فالإتقان رحلةٌ لا تتوقف، ومن اعتاد التحسين الدائم بلغ مراتب التميز.
بهذه العوامل العملية، يتحول الإتقان من فكرةٍ مثالية إلى واقعٍ ملموس، ومن قيمةٍ نظرية إلى أسلوب حياة يُثمر جودةً في العمل، وسموًا في الأخلاق.
الخطبة الثانية
الاحتيال المالي ومشكلة: “المستريّح”
إن الاحتيال المالي، المعروف مجتمعيًّا باسم مشكلة: “المستريّح”، من أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة في المجتمع المصري، مستهدفة البسطاء من المواطنين، ومُستغلّة احتياجهم لتحقيق الربح السريع خارج الإطار القانوني والاقتصادي السليم.
ويقوم هذا النمط من الاحتيال على إغراء الناس بعوائد مالية مرتفعة مقابل تسليم مدخراتهم لأشخاص يزعمون تشغيلها في أنشطة استثمارية وهمية أو غير واضحة المعالم، وقد ترتب على بروز هذه المشكلة ضياع أموال آلاف الأسر، وتعرض الكثيرين لحالات إفلاس نفسي ومادي، وارتكاب بعضهم لسلوكيات شخصية ضارة نتيجة الخسارة.
إن من أقبح صور الفساد الأخلاقي والاجتماعي المتسربل بلباس الدين: الاستهانة بحقوق الخلق وأموالهم، بحيث يأتي واحد من الناس فَيُوهم الناس بالسفر إلى الخارج للعمل، أو برحلات حج وعمرة، أو ببناء عقارات، أو باستثمار عالي الربح عديم المخاطر، أو نحو ذلك ليجمع أموال الناس ثم يهرب بها وقد أكل أموال الخلق، ولنا على ذلك عدة أمور لا بد من بيانها:
من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه:
روى أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَإِسْنَادُ أَحَدِهِمْ حَسَنٌ: «يَدْعُو اللَّهُ بِصَاحِبِ الدَّيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ فِيمَ أَخَذْت هَذَا الدَّيْنَ؟ وَفِيمَ ضَيَّعْتَ حُقُوقَ النَّاسِ؟ فَيَقُولُ يَا رَبِّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي أَخَذْتُهُ فَلَمْ آكُلْ وَلَمْ أَشْرَبْ وَلَمْ أَلْبَسْ وَلَمْ أُضَيِّعْ، وَلَكِنْ إمَّا حَرَقٌ وَإِمَّا سَرَقٌ وَإِمَّا وَضِيعَةٌ: أَيْ بَيْعٌ بِأَقَلَّ مِمَّا اشْتَرَى بِهِ. فَيَقُولُ اللَّهُ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَحَقُّ مَنْ قَضَى عَنْكَ فَيَدْعُو اللَّهُ بِشَيْءٍ فَيَضَعُهُ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ، فَتَرْجَحُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ».
من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله:
عدَّ العلامة ابن حجر الهيتمي في كتابه: (الزواجر عن اقتراف الكبائر): [الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: الِاسْتِدَانَةُ مَعَ نِيَّتِهِ عَدَمَ الْوَفَاءِ أَوْ عَدَمَ رَجَائِهِ].
وأورد أحاديث كثيرة في التحذير من ذلك.
أشهرها ما جاء عَن سيدنا أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ» [رَوَاهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا].
قال ابن بطَّال: “فيه الحض على ترك استئكال أموال الناس والتنزه عنها، والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة، وأن الجزاء من جنس العمل”.
آكل أموال الناس لا يدخل الجنة:
فعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن جحش رَضِي الله عَنهُ قَالَ: “كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَاعِدا حَيْثُ تُوضَع الْجَنَائِز، فَرفع رَأسه قِبَل السَّمَاء ثمَّ خفض بَصَره فَوضع يَده على جَبهته، فَقَالَ: «سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله مَا أنزل من التَّشْدِيد» قَالَ: فَعرفنَا وسكتنا حَتَّى إِذا كَانَ الْغَد سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقُلْنَا: مَا التَّشْدِيد الَّذِي نزل؟ قَالَ: «فِي الدَّيْن، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو قُتل رجلٌ فِي سَبِيل الله ثمَّ عَاشَ ثمَّ قتل ثمَّ عَاشَ ثمَّ قتل وَعَلِيهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجنَّةَ حَتَّى يُقْضى دينُه» [رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد].
أموال الناس تؤخذ من حسنات العبد يوم القيامة:
روى الطَّبَرَانِيُّ: «الدَّيْنُ دَيْنَانِ فَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَنْوِي قَضَاءَهُ فَأَنَا وَلِيُّهُ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يَنْوِي قَضَاءَهُ فَذَلِكَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ لَيْسَ يَوْمَئِذٍ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ».
وللطبراني أيضا فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مَا قَلَّ مِنْ الْمَهْرِ أَوْ كَثُرَ لَيْسَ فِي نَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهَا حَقَّهَا خَدَعَهَا فَمَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّ إلَيْهَا حَقَّهَا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ زَانٍ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ اسْتَدَانَ دَيْنًا لَا يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَى صَاحِبِهِ خَدَعَهُ حَتَّى أَخَذَ مَالَهُ فَمَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّ إلَيْهِ دَيْنَهُ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ سَارِقٌ».
آكل أموال الناس غادر:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُوفِهِ أَجْرَهُ» [أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده].
إجراءات عملية لمواجهة مشكلة المستريَّح:
أولًا: التروي قبل اتخاذ أي قرار مالي، وعدم الاندفاع وراء العروض المغرية أو الربح السريع، وإعطاء النفس وقتًا للتفكير والمراجعة، فمعظم عمليات الاحتيال تعتمد على استعجال الضحية.
ثانيًا: التحقق من الجهة أو الشخص، وذلك من خلال التأكد من الترخيص والسجل التجاري والسمعة الفعلية، والبحث عن تجارب الآخرين، وعدم الاكتفاء بالوعود أو المظهر الخارجي.
ثالثًا: عدم تسليم الأموال دون مستند رسمي، فأي تعامل مالي يجب أن يكون بعقد مكتوب واضح البنود، يحدد الحقوق والالتزامات، مع توثيق قانوني كلما أمكن.
رابعًا: استشارة أهل الخبرة، قبل الدخول في أي استثمار أو شراكة، يُستحسن سؤال شخص مختص في المال أو القانون؛ فالنظرة الخارجية تكشف ما قد يغيب عن المتحمس.
خامسًا: تجنب التعاملات غير الموثقة، الابتعاد عن التسليم النقدي أو التحويلات غير الرسمية، والاعتماد على القنوات البنكية التي تحفظ الحقوق وتتيح التتبع.
سادسًا: الحذر من الوعود غير المنطقية، كل مشروع يعد بأرباح كبيرة في وقت قصير وبمخاطر معدومة غالبًا ما يكون مشبوهًا.
