أكد أسامة هيكل، وزير الإعلام الأسبق، أن قضية الهوية الوطنية المصرية تحتاج إلى وضع تعريف علمي دقيق وواضح، يجمع مختلف أبعادها التاريخية والثقافية والدينية والاجتماعية، مشددًا على ضرورة إعداد قاموس للمصطلحات المرتبطة بالهوية يكون مرجعًا للباحثين والمتخصصين عند تناول القضية.

جاء ذلك خلال مشاركته في الجلسة النقاشية بعنوان «خطاب تيارات الإسلام السياسي إعلاميًا وسياسيًا تجاه الهوية المصرية»، ضمن فعاليات اليوم الثاني من مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، المنعقد بمكتبة الإسكندرية خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر الجاري.

النقاشات التي شهدها المؤتمر حول تعريف الهوية

وأوضح هيكل أن النقاشات التي شهدها المؤتمر حول تعريف الهوية كشفت عن تعدد الرؤى والمفاهيم، مشيرًا إلى أن الهوية لا يمكن اختزالها في الثقافة فقط، وإنما تمتد إلى التاريخ والجغرافيا والتراث والدين وغيرها من المكونات.

ودعا إلى وضع تعريف «جامع مانع» للهوية الوطنية المصرية، يشارك في صياغته المتخصصون في مختلف المجالات المرتبطة بها، حتى يكون هناك إطار واضح يمكن الرجوع إليه عند دراسة القضية أو مناقشتها.

وتطرق وزير الإعلام الأسبق إلى استخدام مصطلح «الفرعونية» عند الحديث عن مصر القديمة، مؤكدًا أن التعبير الأدق هو «الحضارة المصرية القديمة»، وأن اختزال تاريخ مصر في وصف واحد لا يعبر عن امتدادها الحضاري والتاريخي.

وأشار إلى أن «فرعون» كان لقبًا للحاكم في مصر القديمة، وليس اسمًا لحضارة بأكملها، داعيًا إلى مراجعة المصطلحات المستخدمة في المناهج والخطاب العام عند تناول التاريخ المصري.

وانتقل هيكل إلى العلاقة بين الدين والوطنية في مصر، موضحًا أن الصدام بين المفهومين لم يكن حاضرًا على مدار التاريخ المصري، وإنما بدأ طرح هذه الإشكالية بصورة تدريجية خلال مراحل لاحقة من التاريخ الحديث.

وأكد أن المواطنة والتدين لم يكونا متعارضين في التجربة المصرية، مستشهدًا بما شهدته ثورة 1919 من مظاهر للوحدة الوطنية بين المصريين، معتبرًا أن هذه المرحلة قدمت نماذج واضحة على تداخل الانتماء الديني مع الانتماء الوطني دون تعارض بينهما.

وأشار هيكل إلى مواقف لعدد من علماء الأزهر خلال ثورة 1919، وخطب ألقيت من فوق المنابر في تلك الفترة، معتبرًا أنها عكست ارتباط المطالبة بالاستقلال بالحفاظ على وحدة المصريين.

كما استشهد بمشاركة مصريين من مختلف الديانات في الحركة الوطنية، مشيرًا إلى واقعة مشاركة سيدة يهودية في أحداث الثورة، وما حملته تلك المشاركة من تأكيد على مفهوم الوحدة الوطنية المصرية.

وتطرق وزير الإعلام الأسبق إلى أحداث 30 يونيو، معتبرًا أنها مثلت، من وجهة نظره، محطة مهمة في إعادة ترتيب المشهد المصري، وما تبعها من اصطفاف مجتمعي في مواجهة التيارات التي تبنت أفكارًا متعارضة مع مفهوم الدولة الوطنية.

وحذر من التعامل مع بعض القضايا الدينية والتاريخية بصورة قد تستغلها التيارات المتطرفة في إعادة تقديم نفسها للمجتمع، موضحًا أن مهاجمة الدين أو السيرة النبوية أو بعض الشخصيات الإسلامية بصورة غير منضبطة قد تمنح المتشددين مادة يستخدمونها في خطابهم.

وأشار إلى أن بعض التيارات تحاول استعادة حضورها عبر المنصات الرقمية، من خلال تقديم نفسها باعتبارها مستهدفة أو مضطهدة بسبب تبنيها خطابًا دينيًا، مؤكدًا ضرورة التعامل مع هذه المساحات بوعي ودراسة.

وشدد على أن مهاجمة بعض الثوابت أو القضايا الدينية بصورة غير مدروسة قد تؤدي، بحسب رؤيته، إلى تقوية الخطاب المتشدد بدلًا من مواجهته، داعيًا إلى إعادة دراسة هذه الملفات بصورة أكثر دقة.

وتناول هيكل قضية التوحيد في التاريخ المصري، منتقدًا بعض التصورات التي تختزل معرفة المصريين بالتوحيد في الفترة التي أعقبت دخول الإسلام إلى مصر.

وأشار إلى أن مصر ارتبطت عبر تاريخها بسير عدد من الأنبياء، مستشهدًا بما يرد في الروايات والمصادر بشأن ارتباط مصر بسير أنبياء من بينهم يوسف وموسى وإبراهيم وعيسى، إلى جانب روايات أخرى حول أنبياء سابقين.

وأكد أهمية إعادة دراسة هذه الجوانب التاريخية والدينية، باعتبارها جزءًا من النقاش المتعلق بتكوين الهوية المصرية وتطورها عبر العصور.

وشدد وزير الإعلام الأسبق على ضرورة قيام المؤسسات الدينية والبحثية بإجراء مزيد من الدراسات التي تتناول الآيات القرآنية والأحاديث والمصادر الإسلامية ذات الصلة بتاريخ مصر والهوية الوطنية.

وأشاد بالدور الذي تقوم به المؤسسات الدينية المصرية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف ودار الإفتاء، في مواجهة التيارات المتطرفة، مؤكدًا في الوقت نفسه الحاجة إلى مزيد من الدراسات المتخصصة حول العلاقة بين النصوص الدينية والتاريخ المصري والعادات والتقاليد.

كما دعا إلى التعامل مع العادات والتقاليد المصرية بصورة أكثر دقة، وعدم تقديمها تلقائيًا باعتبارها مخالفة للدين، مشيرًا إلى أهمية التفرقة بين الثوابت الدينية والموروث الاجتماعي والثقافي للمجتمع المصري.

شاركها.