لا يمكن فهم التحوّلات التي شهدتها السياسة الخارجية الأميركية في السنوات الأخيرة من خلال تغيّر الإدارات فقط، بل من خلال التحوّل الأعمق في الأدوات والمرجعيات التي تحكم سلوك القوة الأميركية في النظام الدولي. ففي مرحلة دونالد ترامب، لم تتبدّل الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة بقدر ما تبدّلت آليات تحقيقها، حيث برز اتجاه واضح نحو تقليص كلفة التدخل الخارجي، سواء على المستوى البشري أو المالي أو السياسي، مع الحفاظ على القدرة على فرض الوقائع وتحقيق النتائج.

تميّز هذا النهج بابتعاد نسبي عن النموذج التقليدي لتغيير الأنظمة الذي ساد في العقود السابقة، والذي اعتمد على حروب واسعة النطاق، واحتلالات طويلة الأمد، وسرديات قانونية وأخلاقية معقّدة غالبًا ما تبيّن لاحقًا هشاشتها أو انتقائيتها. في المقابل، اتجهت المقاربة الجديدة إلى منطق التدخل المباشر والمحدود زمنيًا، القائم على استهداف مراكز القرار السياسي، وتوظيف أدوات الضغط الاقتصادي والقانوني والأمني بصورة متزامنة، بما يسمح بتحقيق تأثير سياسي كبير من دون الانخراط في صراعات مفتوحة.

يعكس هذا التحوّل عقلية براغماتية ترى في السياسة الخارجية امتدادًا لمنطق الصفقة، حيث تُقاس النجاحات بميزان الكلفة والعائد لا بمدى الالتزام بالخطاب القيمي. ومن هذا المنظور، لم يعد التدخل يُقدَّم بوصفه حربًا، بل كإجراء تنفيذي أو أمني أو قانوني، حتى وإن انطوى في جوهره على انتهاك صريح لمبادئ السيادة وعدم التدخل المنصوص عليها في القانون الدولي. ويمنح هذا الأسلوب صانع القرار الأميركي هامش حركة أوسع، نظرًا لتراجع احتمالات المعارضة الداخلية المرتبطة بالخسائر البشرية أو الاستنزاف المالي طويل الأمد.

غير أن هذا التحوّل لا يمكن عزله عن السياق البنيوي للنظام الدولي. فالنمط الجديد في العقلية الأميركية يشير إلى انتقال تدريجي من نموذج الهيمنة الذي ميّز القرن العشرين، والقائم على إدارة النفوذ عبر المؤسسات الدولية والتحالفات والشرعية الشكلية، إلى منطق أقرب إلى العقلية الإمبراطورية، حيث تُمارَس القوة بشكل أكثر مباشرة وعلنية. ويأتي هذا التحوّل في ظل إدراك متزايد داخل واشنطن لتراجع وضعها كقوة عظمى وحيدة، وصعود قوى دولية منافسة، وفي مقدمتها الصين، تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوة العالمية.

في هذا الإطار، يبرز التساؤل حول دور الحرب على غزة في بلورة هذا النهج أو تسريعه. فقد شكّلت التغطية السياسية والعسكرية التي وفّرتها الولايات المتحدة لإسرائيل نموذجًا عمليًا لكيفية تعطيل آليات المساءلة الدولية، وتحييد المؤسسات الأممية، وتوفير غطاء كامل لاستخدام القوة لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية محددة. ولم يكن هذا الدعم مجرّد تعبير عن تحالف تقليدي، بل تجلّيًا لإرادة سياسية تسمح بتعليق القواعد حين تتعارض مع حسابات القوة والمصلحة.

من هذا المنظور، يمكن النظر إلى غزة بوصفها ساحة اختبار لمرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف الشرعية الدولية على أساس القدرة على فرض الوقائع، لا على أساس الالتزام بالقانون. وقد أسهم العجز الدولي، أو الصمت حيال ما جرى، في تكريس هذا النموذج، بما شجّع على إمكان تعميمه في سياقات أخرى، حيث تصبح القوة المباشرة أداة مشروعة لإعادة تشكيل البيئات السياسية.

ورغم أن هذا النمط من التدخل قد يبدو أقل دموية في شكله المباشر مقارنة بالحروب التقليدية، إلا أنه لا يعني بالضرورة تراجع العنف أو الاستقرار. فالكلفة في هذه الحالة لا تختفي، بل تتحوّل إلى كلفة غير مرئية أو مؤجلة، غالبًا ما تتحمّلها المجتمعات الضعيفة، سواء عبر الانهاك الاقتصادي، أو تفكيك البنى السياسية، أو إدامة حالات عدم الاستقرار.

خلاصة القول إن ما تشهده السياسة الخارجية الأميركية ليس انسحابًا من النظام الدولي، بل إعادة تموضع داخلِه، تقوم على الانتقال من الهيمنة المؤسسية المقنّعة إلى ممارسة أكثر صراحة للقوة. وإذا ما استقرّ هذا التحوّل كنمط دائم، فإنه ينذر بتآكل إضافي في قواعد النظام الدولي، ويطرح تحديات جدّية أمام مستقبل الاستقرار العالمي في مرحلة تتزايد فيها مراكز القوة وتتراجع فيها قدرة القواعد المشتركة على ضبط السلوك الدولي.

شاركها.