أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد، الخميس، استقالتها من منصبها، لتنهي أشهرًا من التكهنات بشأن مستقبلها، في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات اقتصادية متزايدة واضطرابات في أسواق السندات، إلى جانب تصاعد الاستقطاب السياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية.
ومن المقرر أن تغادر لاجارد منصبها في 7 فبراير المقبل، بما يتيح لقادة الاتحاد الأوروبي اختيار خليفتها قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان فيها. وكان من المقرر أن تنتهي ولاية لاجارد في أكتوبر 2027.
وقالت لاجارد، البالغة من العمر 70 عامًا، في مقطع فيديو قصير نشرته عبر وسائل التواصل الاجتماعي: «أغادر هذه المؤسسة وأنا أشعر بأنني أنجزت عملًا جيدًا، وأن البنك المركزي الأوروبي أصبح مستعدًا للمستقبل».
ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدر مطلع مباشرة على الأمر أن استقالة لاجارد تهدف إلى إتاحة المجال أمامها للمشاركة في النقاشات السياسية في فرنسا وعلى المستوى الدولي، بعدما كان منصبها يفرض عليها الحفاظ على الحياد السياسي لضمان استقلالية البنك المركزي الأوروبي.
وكانت لاجارد نفت، قبل ثلاثة أشهر فقط، التكهنات بشأن مغادرتها المبكرة، مؤكدة أنها لا تستطيع ترك البنك المركزي الأوروبي في وقت تلوح فيه مخاطر تضخمية في الأفق.
انقسام أوروبي بشأن توقيت الاستقالة
وأثارت الاستقالة المبكرة ردود فعل متباينة داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الأوروبية، إذ انتقدها جان فيليب تانجي، المسؤول عن إعداد السياسات الاقتصادية في البرنامج الانتخابي لمارين لوبان، معتبرًا أنها تعكس استهانة بسيادة القانون.
وقال تانجي لـ«رويترز» إنه كان يتوقع هذه الخطوة، واصفًا إياها بأنها «إهانة أخرى في اتجاهنا، وهو أمر مؤسف».
كما اعتبر ماركوس فيربر، عضو البرلمان الأوروبي عن حزب الشعب الأوروبي المنتمي إلى يمين الوسط في ألمانيا، أن الاستقالة المبكرة تبعث «إشارة خاطئة»، في ظل ارتفاع التضخم واضطراب أسواق السندات واقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وحذر فيربر من أن ربط توقيت مغادرة رئيسة البنك المركزي بمنطلقات انتخابية وطنية قد يضر بثقة الأسواق في مؤسسة يفترض أن تكون مستقلة عن الحسابات السياسية الداخلية.
في المقابل، رأى مارسيل فراتشر، رئيس المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية، أن قرار لاجارد يعكس إحساسًا قويًا بالمسؤولية تجاه أوروبا، موضحًا أن المغادرة المبكرة تمنح الحكومات والمؤسسات الأوروبية فرصة لاختيار خليفة يحافظ على القيم الأوروبية واستقلالية البنك المركزي.
وكانت لاجارد أكدت سابقًا أنها لا تعتزم الترشح لرئاسة فرنسا، لكنها أبدت استعدادها للدفاع عن القيم المؤيدة لأوروبا في بلدها «بالطريقة التي تراها الأكثر فاعلية».
من جانبه، أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن عملية اختيار خليفة لاجارد ستبدأ فورًا.
ومن المتوقع أن يأتي اختيار الرئيس الجديد ضمن حزمة أوسع من التعيينات في المناصب العليا بالبنك المركزي الأوروبي، تشمل مقعدًا في المجلس التنفيذي تشغله إيزابيل شنابل، التي من المقرر أن تغادر مطلع يناير، إلى جانب كبير الاقتصاديين فيليب لين، الذي تنتهي مهمته في مايو.
مرشحان بارزان لخلافة لاجارد
وتشير التوقعات إلى أن كلايس نوت، المحافظ السابق للبنك المركزي الهولندي، وبابلو هيرنانديز دي كوس، المحافظ السابق للبنك المركزي الإسباني، من أبرز المرشحين لخلافة لاجارد.
وقال بييت هاينز كريستيانسن، الخبير الاقتصادي في بنك دانسك، إن المرشحين المحتملين يتمتعان بكفاءة وخبرة راسخة في العمل المصرفي المركزي، ما يرجح محدودية تأثير التغيير في الأسواق المالية.
وأظهرت الأسواق رد فعل محدودًا عقب الإعلان عن الاستقالة، في حين رأى محللون أن البنك المركزي الأوروبي رسخ مكانته المؤسسية بما يجعله أقل تأثرًا بالتغييرات في قيادته.
وقال سايمون دانجور، رئيس الاستثمار في استراتيجيات الاقتصاد الكلي للدخل الثابت لدى «جولدمان ساكس»، إن المؤسسة أصبحت مستقرة ومعروفة للأسواق، مرجحًا استمرار نهجها المؤسسي بعد مغادرة لاجارد، بصرف النظر عن هوية الرئيس الجديد.
التضخم وأزمة السندات يضغطان على البنك المركزي
وتأتي استقالة لاجارد في وقت يواجه فيه البنك المركزي الأوروبي تحديات نقدية معقدة، إذ يسعى إلى احتواء مخاطر التضخم الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط والطاقة المرتبط بالحرب مع إيران، ومنع انتقال هذه الزيادات إلى أسعار السلع الأخرى والأجور.
وفي الوقت نفسه، تواجه الاقتصادات الأوروبية ارتفاعًا في عوائد السندات الحكومية، خصوصًا في فرنسا المثقلة بالديون، ما يزيد تكاليف الاقتراض على الأسر والشركات ويهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي.
ويجد البنك المركزي نفسه أمام معادلة صعبة بين استمرار الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة وتدهور ظروف التمويل، الأمر الذي يعقد قرارات أسعار الفائدة خلال المرحلة المقبلة.
وكانت الأسواق تتوقع، بحسب التقرير، أن يُبقي البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الودائع عند 2.5% خلال اجتماعه الخميس، مع الإشارة إلى احتمال رفعها مجددًا، وربما في ديسمبر المقبل.
وقال أوليفر راكاو، الخبير الاقتصادي لدى «أوكسفورد إيكونوميكس»، إن احتمالات رفع الفائدة في ديسمبر تظل قائمة بقوة، في ظل توقعات بزيادة تقديرات البنك للتضخم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.
وكان من المقرر إعلان قرار أسعار الفائدة عند الساعة 13:15 بتوقيت جرينتش، على أن تعقد لاجارد مؤتمرها الصحفي المعتاد بعد ذلك بنصف ساعة.
وتسعّر أسواق المال حاليًا احتمالات تنفيذ ثلاثة ارتفاعات إضافية في أسعار الفائدة بحلول نهاية العام المقبل، بما قد يرفع سعر الفائدة على الودائع إلى 3.25%، وهو مستوى يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره عاملًا مقيدًا للنمو الاقتصادي.
وتضع هذه التطورات خليفة لاجارد أمام تحديات مزدوجة، تتمثل في الحفاظ على استقرار الأسعار واستقلالية البنك المركزي، بالتزامن مع احتواء تداعيات ارتفاع تكاليف الاقتراض وتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية في أوروبا.
