قال السفير عاطف سالم، سفير مصر السابق لدى تل أبيب، خلال تصريحات خاصة لـ «»، إن خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تضمن عددا من الرسائل المهمة، موضحا أن الخطاب لم يكن ارتجاليا، وإنما أُعد بصورة مسبقة، وكان نتنياهو يدرك طبيعة المواقف والاحتجاجات التي سيواجهها داخل قاعة الأمم المتحدة.

وأوضح السفير عاطف سالم أن نتنياهو بدأ كلمته بتوجيه وصف «الجبناء» إلى من غادروا قاعة الجمعية العامة احتجاجا على خطابه، مؤكدًا أن هذه العبارة لم تكن جملة ارتجالية، وإنما كانت معدة مسبقا، خاصة أن نتنياهو كان يتوقع حدوث احتجاجات ومغادرة عدد من الوفود للقاعة.

السفير عاطف سالم 

وأضاف أن هناك قناعة لدى عدد من الوفود المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة بأن إسرائيل تتحمل مسؤولية ما يحدث في قطاع غزة، في ظل الحرب المستمرة وما ترتب عليها من أوضاع إنسانية كارثية، إلى جانب المخاوف المتعلقة بالتطورات في الضفة الغربية وما يثار بشأن محاولات فرض السيادة الإسرائيلية عليها.

وأشار إلى أن الجانب الفلسطيني كان قد تحرك أيضًا في هذا الإطار، حيث جرت اتصالات مع عدد من الوفود المشاركة من أجل الخروج من القاعة احتجاجا على الحرب في غزة، والأوضاع الإنسانية في القطاع، وكذلك ممارسات المستوطنين في الضفة الغربية.

وأكد السفير عاطف سالم أن وصف نتنياهو للوفود التي غادرت القاعة بـ«الجبناء» كان جزءًا من خطابه المعد مسبقًا، وأنه كان مدركًا قبل دخوله القاعة أنه سيواجه اعتراضات ومغادرة من جانب عدد من الوفود، وبالتالي لم يكن المشهد بالنسبة إليه مفاجئًا.

وتابع أن نتنياهو حاول من بداية خطابه التعامل مع الانتقادات التي كان يتوقعها، وتقديم رواية مضادة لما تطرحه الدول والوفود المنتقدة للسياسات الإسرائيلية، سواء بشأن الحرب في قطاع غزة أو التطورات في الضفة الغربية.

استحضاره الدائم لشقيقه يوناتان (يوني)

وأضاف أن هناك نقطة ثانية مهمة في خطاب نتنياهو تمثلت في استحضاره الدائم لشقيقه يوناتان (يوني) نتنياهو، الذي قُتل خلال عملية «عنتيبي» في أوغندا عام 1976، عندما نفذت القوات الإسرائيلية عملية لتحرير الرهائن الإسرائيليين الذين كانوا على متن طائرة مختطفة.

وأوضح أن يوناتان  نتنياهو كان قائدا في وحدة «سييرت متكال»، وقُتل خلال العملية، وكان القتيل الإسرائيلي الوحيد بين القوات الإسرائيلية التي شاركت في عملية تحرير الرهائن، الذين تجاوز عددهم 100 رهينة.

وأشار إلى أن نتنياهو يستحضر قصة شقيقه في مناسبات عديدة، باعتبارها جزءًا من تاريخ عائلته وتاريخ إسرائيل، ويحاول من خلالها التأكيد على أن عائلته قدمت تضحيات من أجل الدولة الإسرائيلية، وأن شقيقه مات خلال عملية عسكرية لتحرير رهائن إسرائيليين.

وأضاف أن اسم يوناتان نتنياهو ارتبط لاحقًا بمؤسسات ومشروعات لمكافحة الإرهاب، من بينها «معهد يوناتان لمكافحة الإرهاب»، كما طُرحت أفكار لإقامة نصب تذكاري له في المكان الذي قُتل فيه في أوغندا، بالتعاون مع الجانب الأوغندي.

وأكد السفير عاطف سالم أن نتنياهو يحاول باستمرار إبراز هذه النقطة في مناسبات مختلفة، وتقديم قصة يوناتان  نتنياهو باعتبارها رمزًا للتضحية من أجل إسرائيل، موضحًا أن استحضار يوناتان يمثل بالنسبة إلى نتنياهو جزءًا من رواية عائلية وسياسية عن الخدمة العسكرية والتضحية من أجل الدولة الإسرائيلية.

حرب ٦٧

وتابع أن نتنياهو انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن حرب عام 1967، محاولًا تقديم الرواية الإسرائيلية للحرب باعتبار أن إسرائيل كانت دولة صغيرة تواجه ثلاث دول عربية، وأنها تمكنت، رغم صعوبة ظروفها في ذلك الوقت، من الانتصار والسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي.

وأوضح أن نتنياهو ركز على أن إسرائيل كانت تواجه، وفق الرواية التي طرحها، خطرًا وجوديًا، وأن الدول العربية كانت تسعى إلى تدميرها، وأن الحرب انتهت بانتصار إسرائيل وسيطرتها على أراضٍ واسعة.

ويرى السفير عاطف سالم أن هذه الطريقة في تقديم أحداث عام 1967 تختزل طبيعة الصراع وتحاول نقل النقاش من قضية الأرض والاحتلال إلى قضية وجود دولة يهودية من الأساس.

وقال إن الرسالة التي حاول نتنياهو إيصالها هي أن الصراع الدائر في المنطقة يتعلق بوجود دولة إسرائيل كدولة يهودية، بينما يرى أن جوهر الصراع يتعلق بالأرض والاحتلال والحقوق الفلسطينية، وليس بمجرد وجود دولة يهودية.

وأضاف أن نتنياهو، وفق هذه الرؤية، يحاول إعادة صياغة التاريخ بالشكل الذي يخدم روايته السياسية الحالية، من خلال التركيز على البعد الوجودي للصراع وتهميش البعد المرتبط بالأرض والاحتلال والقضية الفلسطينية.

وأشار السفير عاطف سالم إلى أن الحديث عن حرب 1967 لا يمكن فصله عن الظروف السياسية والعسكرية التي كانت قائمة في ذلك الوقت، موضحًا أن هناك كتبًا ودراسات وشهادات تناولت بالتفصيل طبيعة المرحلة والظروف التي سبقت الحرب، بما في ذلك حالة التردد والقلق داخل القيادة الإسرائيلية آنذاك، والحديث عن موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي إشكول ومخاوفه من التطورات المرتبطة بمصر والرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

وأوضح أن إسرائيل لم تخض الحرب في ظروف منفصلة عن السياق الإقليمي والدولي، وإنما كانت هناك استعدادات عسكرية وظروف سياسية وعسكرية محددة، فضلًا عن دعم غربي شمل أسلحة وطائرات ومعدات عسكرية، وهي عوامل ساهمت في النتيجة التي انتهت إليها الحرب.

وأضاف أن اختزال تلك المرحلة في رواية تقول إن إسرائيل كانت دولة صغيرة تواجه ثلاث دول ثم انتصرت عليها يتجاهل الكثير من التفاصيل والظروف السياسية والعسكرية والإقليمية والدولية التي أحاطت بالحرب.

وأشار إلى أن نتنياهو استخدم هذه الرواية التاريخية للانتقال إلى فكرة أخرى، وهي أن إسرائيل لا تملك خيارًا سوى الانتصار في كل حرب تخوضها.

وأوضح أن نتنياهو قدم الأمر باعتباره مبدأً ثابتًا، مفاده أن إسرائيل عندما تدخل أي حرب يجب أن تنتصر فيها، وأنه لا يوجد أمامها خيار آخر، وهو ما استخدمه لتبرير العمليات العسكرية التي خاضتها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.

تقديم نفسه في صورة بطل إسرائيل 

وأضاف أن نتنياهو حاول من خلال ذلك تقديم نفسه باعتباره القائد الذي حقق الانتصار في الحروب التي خاضتها إسرائيل خلال فترة حكمه، وليس فقط رئيس وزراء واجه سلسلة من الأزمات العسكرية.

وتابع أن نتنياهو أشار كذلك إلى أن قرار تدمير المنشآت النووية الإيرانية كان، بحسب وصفه، «أسهل قرار اتخذه في حياته»، وهي عبارة أراد من خلالها التأكيد على ثقته في القرارات العسكرية التي اتخذها وعلى أنه لم يتردد في اتخاذ إجراءات عسكرية كبيرة عندما رأى أنها ضرورية من وجهة نظره.

وأوضح السفير عاطف سالم أن هذه الرسائل تأتي في سياق محاولة نتنياهو تقديم نفسه باعتباره الرجل الذي حقق النصر في الحروب والمواجهات التي خاضتها إسرائيل، خاصة في ظل الانتقادات التي واجهها سياسيًا بشأن نتائج الحروب وعدم تحقيق أهداف سياسية واضحة بعدها.

وأشار إلى أن المعارضة الإسرائيلية كانت توجه إلى نتنياهو انتقادات تتعلق بما إذا كان قد تمكن بالفعل من تحقيق إنجاز سياسي بعد العمليات والحروب التي خاضتها إسرائيل، ولذلك حاول في خطابه التركيز على فكرة الانتصار العسكري، وتقديم ما قام به باعتباره إنجازًا تاريخيًا وعسكريًا.

أحداث ٧ أكتوبر

وأضاف السفير عاطف سالم أن النقطة التالية المهمة في خطاب نتنياهو كانت حديثه عن أحداث 7 أكتوبر، ومحاولته تقديم الهجوم من خلال مقارنات مع هجمات كبرى شهدتها الولايات المتحدة.

وأوضح أن نتنياهو تحدث عن هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر، وتطرق إلى روايات بشأن قتل الأطفال واغتصاب النساء وقطع الرؤوس، إلى جانب الحديث عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي.

وأضاف أن نتنياهو انتقل بعد ذلك إلى عقد مقارنات تتعلق بحجم الخسائر بالنسبة إلى عدد سكان إسرائيل، موضحًا أنه إذا تمت مقارنة عدد القتلى بحجم سكان إسرائيل، ثم إسقاط النسبة نفسها على الولايات المتحدة، فإن ذلك سيعادل، وفق المقارنة التي طرحها، مقتل نحو 40 ألف أمريكي.

وأشار إلى أن نتنياهو ذهب كذلك إلى مقارنة أحداث 7 أكتوبر بهجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، معتبرًا أن الهجوم، وفق المقارنة التي قدمها، يعادل نحو 16 هجومًا بحجم هجمات 11 سبتمبر.

وتابع السفير عاطف سالم أن نتنياهو حاول من خلال هذه المقارنات الربط بين ما حدث في الولايات المتحدة خلال هجمات 11 سبتمبر وما حدث في إسرائيل في 7 أكتوبر، وإبراز حجم الخسائر البشرية التي وقعت خلال الهجوم، ووضع أحداث 7 أكتوبر في إطار هجمات كبرى شهدها العالم.

ولفت إلى أن نتنياهو اعتمد في خطابه على عدد من الروايات والتوصيفات المتعلقة بأحداث 7 أكتوبر، مشيرًا إلى أن بعض هذه الروايات والتفاصيل محل خلاف وتحتاج إلى التدقيق والتحقق من خلال مصادر وتحقيقات مستقلة، ولا ينبغي التعامل مع كل ما يرد في خطاب سياسي باعتباره حقيقة ثابتة دون تحقق.

وأضاف أن نتنياهو يحاول من خلال الطريقة التي يقدم بها أحداث 7 أكتوبر التأثير في الرواية التاريخية للصراع الدائر في المنطقة، وتقديم الأحداث بالشكل الذي يخدم الرسالة السياسية التي يريد إيصالها في هذه المرحلة.

وأكد السفير عاطف سالم أن هناك نقطة أخرى مهمة في الخطاب، تتمثل في كون جزء كبير من الرسائل موجهًا إلى الداخل الإسرائيلي، موضحًا أن نتنياهو يحاول مخاطبة الإسرائيليين واستعراض ما يعتبره إنجازات لحكومته خلال الفترة الماضية.

وأوضح أن نتنياهو يسعى إلى تقديم نفسه أمام الإسرائيليين باعتباره القائد الذي خاض المواجهات العسكرية، وانتقم لإسرائيل، وحارب على سبع جبهات، وواجه مختلف التهديدات الأمنية، مع التركيز على ما يقدمه باعتباره نتائج وانتصارات عسكرية.

وتابع السفير عاطف سالم أن هذا الجانب من الخطاب يحمل رسالة سياسية موجهة إلى الداخل الإسرائيلي، إذ يحاول نتنياهو أن يقول للإسرائيليين إنه اتخذ إجراءات عسكرية، وخاض مواجهات متعددة، وتعامل مع التهديدات التي تعرضت لها إسرائيل، وهو ما يرتبط بصورة مباشرة بأدائه السياسي والعسكري.

وأضاف أن نتنياهو، في الوقت نفسه، يحاول من خلال الخطاب الدفاع عن صورته أمام المجتمع الدولي، في ظل الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل بسبب الحرب على غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية والقانونية.

وأشار إلى أن الاتهامات الموجهة إلى نتنياهو بشأن ارتكاب جرائم حرب يجب تناولها في إطارها القانوني، باعتبارها اتهامات وإجراءات أمام جهات قضائية دولية مختصة، مع ضرورة التمييز بين الاتهام والحكم القضائي النهائي.

وأكد أن نتنياهو يكرر خلال خطاباته عددًا من الروايات التي يرى السفير عاطف سالم أنها غير دقيقة أو محل خلاف، في محاولة لتقديم رواية تخدم موقف إسرائيل وتدافع عن سياساتها أمام العالم، فضلًا عن محاولة تحسين صورته السياسية في مواجهة الانتقادات الدولية.

وأضاف أن نتنياهو يحاول كذلك إعادة تقديم الرواية الخاصة بالصراع والحرب بما يخدم أهدافه السياسية في المرحلة المقبلة، سواء على المستوى الدولي أو على مستوى الداخل الإسرائيلي، من خلال التركيز على ما يعتبره إنجازات عسكرية، واستعراض المواجهات التي خاضتها إسرائيل، والتأكيد على أنه واجه عدة جبهات في الوقت نفسه.

وأوضح السفير عاطف سالم أن خطاب نتنياهو يمكن قراءته من زاويتين؛ الأولى موجهة إلى الخارج، بهدف الدفاع عن إسرائيل وسياساتها والرد على الانتقادات الدولية، والثانية موجهة إلى الداخل الإسرائيلي، بهدف استعراض سجل نتنياهو العسكري والسياسي، وتقديم نفسه باعتباره القائد الذي خاض الحروب والمواجهات وتمكن من التعامل مع التهديدات.

واختتم السفير عاطف سالم تصريحاته لـ«» قائلًا إن خطاب نتنياهو، في تقديره، لم يتضمن جديدًا جوهريًا، وإنما جاء استمرارًا للخطاب الذي يقدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ أحداث 7 أكتوبر، من خلال تكرار الروايات والمواقف نفسها، وتبرير العمليات العسكرية، والحديث عن التهديدات التي تواجه إسرائيل، واستعراض ما يعتبره إنجازات عسكرية.

وأضاف أن الخطاب، في مجمله فاشل، لم يقدم تحولا كبيرا أو طرحا جديدًا بشأن مسار الصراع، وإنما ركز على إعادة طرح الرواية الإسرائيلية أمام المجتمع الدولي، بالتوازي مع توجيه رسائل سياسية واضحة إلى الداخل الإسرائيلي.

شاركها.