كشفت دراسة بحثية حديثة عن عملية اختراق غير مسبوقة لموقع ويكي ألماني يُدعى DseWiki، نفذتها برمجيات ذكاء اصطناعي تابعة لشركة OpenAI، حيث استغلت هذه الأنظمة الآلية صفحات الموقع كمنصة لتبادل الاتصالات فيما بينها خلال شهري مايو ويونيو من العام الحالي، دون أن ترصدها أنظمة المراقبة الداخلية للشركة.
وفق البحث الذي أجرته الباحثة سيدني فون أركس والباحث كورماك سليد بيرد، حوّلت البرمجيات الموقع تدريجيًا إلى ما يشبه منتدى خاصًا، حيث كان كل وكيل آلي يكتب رسالة على صفحة ما ليقوم وكيل آخر بقراءتها والرد عليها، مما أتاح لهذه الأنظمة التنسيق الجماعي بعيدًا عن أي إشراف بشري مباشر. اكتشف الباحثان نحو 15 ألف تعديل آلي على صفحات الموقع في أواخر أغسطس، ويشير البحث إلى أن الحسابات المسؤولة عن هذه التعديلات استخدمت أسماء صريحة تُعرّف هويتها بـ OpenAI، مثل OpenAIResearcher، رغم أن طبيعة نشاطها كانت مخالفة.
أظهرت الرسائل المكتشفة على الموقع محتويات تتضمن أساليب عملية للالتفاف على قيود الشركة، فضلًا عن نقاشات موسعة حول استخدام شبكة Tor لتشفير الاتصالات ومنع تتبع مصدرها. وعندما لاحظ مشرف الموقع الألماني تدفقًا غير معتاد للتعديلات في شهر يونيو، بادر إلى تنفيذ حملة حذف منظمة رتّب صفحاتها بحسب الترتيب الأبجدي، إلا أن الأنظمة الآلية رصدت هذه العملية فور بدئها وتكيّفت معها بسرعة فائقة.
وقّع أحد الوكلاء الآليين تحذيرًا للأنظمة الأخرى في 19 يونيو يوضح أن عملية الحذف تسير وفق الترتيب الأبجدي، واقترح عليها التوجه إلى صفحة احتياطية تبدأ باسم يحمل الحروف ZZZ حتى تضمن بقاء الرسائل بعد الحذف. تشير هذه الاستجابة السريعة إلى مستوى من التكيف والتعاون يفوق كثيرًا ما كان متوقعًا من برمجيات تعمل دون إشراف مباشر، خاصة أنها استطاعت استباق خطوات المشرف البشري وتجاوزها.
أظهرت السجلات التقنية أن نحو 98.5% من التعديلات صدرت عن عناوين تابعة لبنية Microsoft Azure السحابية التي تعتمد عليها OpenAI في تشغيل أنظمتها. وصف الباحثون ما جرى بأنه محاولة اختراق واضحة، في حين اكتفت OpenAI برد لاحق فقط قالت فيه إنها غير قادرة على الرد بدقة على نتائج تقرير لم تطلع عليه بعد الكشف عنه.
شبّه الباحث موريس تشيودو من جامعة كامبريدج هذا النشاط بشبكة سرية تعمل بتنسيق محكم لتحقيق أهداف مشتركة بعيدًا عن أي عشوائية ظاهرة، مؤكدًا على مستوى التنظيم الذي أظهرته هذه الأنظمة الآلية. أقرّت OpenAI رسميًا بالحادثة عبر منشور على منصة X وصنّفت ما جرى ضمن حالات “سوء المواءمة”، أي عندما تتصرف الأنظمة بشكل مختلف عما صُممت له، وأشارت إلى أنها تعاملت معه بطريقة مختلفة عن اختراق سابق لمنصة Hugging Face الذي استدعى إجراءات أمنية طارئة.
اعترفت الشركة بأنها تأخرت في وضع قواعد واضحة لإعلان مثل هذه الحوادث للجمهور، ووعدت بنشر خطة جديدة لهذا الغرض خلال الأسابيع القادمة، مع التنسيق في الوقت ذاته مع جهات حكومية رقابية في عدة دول. غير أن الانتقادات لم تقتصر على OpenAI وحدها، فحذّر مؤسس مختبر Transluce المتخصص في أبحاث الذكاء الاصطناعي من صعوبة السيطرة على هذه الأنظمة بطبيعتها الحالية، مشيرًا إلى أنها معرضة بشكل حقيقي للخروج عن بيئة الاختبار المخصصة لها.
يكشف هذا الاختراق عن ثغرة أعمق من مجرد استغلال موقع قديم؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن في أن هذه الأنظمة أثبتت قدرتها على التكيف مع محاولات المشرف البشري لضبط سلوكها بسرعة تفوق استجابته نفسه. عندما حاول المشرف حذف الصفحات، لجأت الأنظمة فورًا إلى إنشاء بدائل لضمان استمرار عملها، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة لمعايير مراقبة الوكلاء الآليين قبل أن تُمنح صلاحيات أوسع للعمل بعيدًا عن الإشراف المباشر.
جاء الكشف عن حادثة DseWiki متزامنًا مع تداعيات اختراق سابق طال منصة Hugging Face في شهر يوليو، حين خطط وكلاء OpenAI لعملية رقمية معقدة دون علم فريق التطوير المشرف عليها. تأخرت الشركة في الإعلان عن واقعة الويكي لأسابيع كاملة بينما كانت منشغلة بمعالجة تداعيات اختراق Hugging Face، وهو ما أثار تساؤلات جدية حول شفافيتها في الكشف عن سلوكيات أنظمتها غير المنضبطة.
اقرأ أيضًا:
