يعود المخرج السينمائي الإيراني أوميد عبد اللهي في تأملاته حول عملية الإبداع السينمائي إلى أصول عمله الفني: تجاربه الشخصية وذكرياته، التي تشكل نقطة انطلاق لا نقطة نهاية، حيث تتفاعل مع خياله وتجارب الآخرين والملاحظات الاجتماعية لتشكيل القصة بتدرج طبيعي.

أوضح عبد اللهي، في حوار مع صحيفة الشرق الأوسط عقب عرض فيلمه القصير «يوم حلو» ضمن فعاليات مهرجان لوكارنو السينمائي، أنه لا يرى الحدود بين السيرة الذاتية والخيال خطاً حاداً، بل يعتبر التجربة الشخصية منحة عاطفية أولية تسمح الخيال معها بتجاوز حياته الخاصة واكتشاف حقائق إنسانية أعمق قابلة للتواصل مع جماهير مختلفة الخبرات والظروف.

تدور أحداث «يوم حلو» (A Sweet Day) حول امرأة تنتظر لسنوات وتحظى بفرصة نادرة لزيارة زوجها داخل السجن، فتسعى إلى إحياء لحظات رومانسية وسط الأجواء القاسية للمعتقل. يؤكد المخرج أن اختياره للسجن كمكان لم يكن عابراً، بل قصد منه تسليط الضوء على أثر القيود المادية والنظامية على العلاقات الإنسانية البسيطة والعميقة في آن معاً.

اعتمد عبد اللهي في بناء المكان على ذاكرته البصرية منذ الطفولة، محاولاً ترجمة تلك الصور من الذاكرة إلى واقع مادي مقنع على الشاشة. يعتبر هذا التحدي من أصعب جوانب الإنتاج، لأن أي ظهور مصطنع للسجن كان قد يقطع الصلة العاطفية بين المتفرج والقصة برمتها، ما يلغي جوهر العمل الفني.

لكن ما يميز رؤية المخرج هو اختياره الشجاع موضوع الاهتمام: بدل التركيز على السجين أو الضحية المباشرة، انتبه لمن تُرك خلفهم—الزوجة والأطفال والعائلة—الذين يتأثرون بعمق بما يحل بأحبائهم، لكن معاناتهم تبقى غير مرئية في الخطاب العام والإحصائيات.

يثير هذا الاختيار قلق عبد اللهي بشدة: حين نحول السجناء إلى أرقام وإحصاءات، ننسى أن خلف كل سجين أشخاصاً يحبونه وينتظرونه ويعيشون عواقب ما حدث له. يمكن لهؤلاء الأشخاص أن يصبحوا ضحايا صامتين بحد ذاتهم، وهو ما أراد المخرج منحهم حضوراً محوراً في السرد، ليعيش الجمهور الحدث من منظورهم ومشاعرهم.

يشدد عبد اللهي على أن القصة ليست عن نظام السجون نفسه، بل عن العلاقات الإنسانية التي تعيش في ظله وتتحول تحت وطأة قيود خارجة عن إرادة أصحابها. الحب والانتظار والوجود معاً—أشياء بسيطة وأساسية—تصبح موضوع حواجز وقواعد، والعواقب العاطفية لهذا التقسيم أهم من أي نقاش مباشر في السياسة أو أنظمة العدالة.

ينظر المخرج إلى السينما كآلة للنظر بقرب إلى الحياة، فرصة لإعادة خلق اللحظات والمشاعر التي قد تمر الناس عليها دون ملاحظة في حياتهم اليومية. نظرة صامتة، إيماءة عابرة، لحظة صغيرة جداً—كل هذا قادر على الكشف عن ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه بكمال.

يؤكد عبد اللهي أن «يوم حلو» يمكن للجمهور الدولي أن يقرأه بصفتين معاً: قصة إيرانية موغلة في السياق الاجتماعي والثقافي المحلي، وقصة إنسانية عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية. هذا التوازن بين الخصوصية والعمومية هو ما يمنح الفيلم قدرته على التواصل مع أشخاص يعيشون في ظروف مختلفة وقائع متباينة.

اقرأ أيضًا:

شاركها.