كيف يمكن فهم وقراءة رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، بشأن استعداده للتوسط لحل مشكلة السد الإثيوبي؟

قبل الإجابة نشير إلى أن ترامب أرسل رسالة للرئيس السيسي يشكره فيها أولاً على جهوده لوقف إطلاق النار في غزة، ويعرض فيها استعداده لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا لحل ما سماه مشكلة تقاسم مياه النيل.
في ظني أنه يمكن الوقوف عند مجموعة مهمة من الملاحظات والنقاط في رسالة ترامب للسيسي، وردّ الرئيس عليه.
الملاحظة الأولى: أن الرسالة مهمة وإيجابية وينبغي الترحيب بها مبدئياً كما فعلت الرئاسة المصرية بالضبط، وبعدها يمكن الدخول في التفاصيل.
الملاحظة الثانية: أن أهم ما ورد في رسالة ترامب قوله: إنه يدرك الأهمية العميقة لنهر النيل بالنسبة لمصر وشعبها، ويرغب في التوصل إلى نتيجة تضمن الاحتياجات المائية للبلدان الثلاثة.
الملاحظة الثالثة: من بين أهم النقاط في الرسالة قول ترامب: إن أي دولة لا ينبغي أن تسيطر من جانب واحد على الموارد المائية لنهر النيل بما يضر بجيرانها في هذه العملية. وأهمية هذه النقطة أنها تضرب في الصميم التبجح الإثيوبي الرسمي القائل: إنه بعد بناء السد فقد صار النيل الأزرق بحيرة داخلية إثيوبية، وهو الأمر الذي يجعل إثيوبيا ترفض طوال الوقت الوصول لاتفاق قانوني وملزم لإدارة السد بما لا يضر بمصالح وحقوق مصر والسودان.
الملاحظة الرابعة: هي تأكيد الرسالة على نقطة تراها مصر مهمة طوال الوقت وهي التوصل لاتفاق بشأن فترات الجفاف والجفاف الممتد، وهي نقطة كانت أديس أبابا تتهرب منها دائماً.
الملاحظة الخامسة: هي تأكيد الرسالة على إمكانية الوصول إلى اتفاق دائم لصالح جميع دول حوض النيل عبر مفاوضات عادلة وشفافة ودور قوي للولايات المتحدة.
الملاحظات الخمس السابقة هي في رأيي أهم ما ورد في رسالة الرئيس الأميركي، وبطبيعة الحال سيقول البعض وقد يسأل مستفهماً أو مستنكراً: وما قيمة هذه الرسالة؟ وما الذي يضمن أن تتم ترجمتها على أرض الواقع؟!
وهنا نصل إلى الملاحظة السادسة: الولايات المتحدة هي الدولة الأكبر والأقوى في العالم، أحببنا ذلك أم كرهنا، وهي الأكثر تأثيراً على القرار في إثيوبيا، باعتبار الأخيرة نقطة الارتكاز للمصالح الغربية في المنطقة خصوصاً القرن الإفريقي.
الملاحظة السابعة: سيقول البعض: كيف يمكن أن يؤثر ترامب على إثيوبيا، في حين أن الأخيرة تهربت من التوقيع على مسودة الاتفاق الذي تم التوصل إليه بالفعل في واشنطن في شباط ٢٠٢٠؟
والإجابة أن هذا الأمر كان في الفترات الأخيرة من ولاية ترامب الأولى، وكانت إثيوبيا تراهن على اللوبي المؤيد لها في حملة جو بايدن الانتخابية.
الآن يمكن القول: إن الظروف اختلفت إلى حد كبير، فترامب الآن في أول ولايته الثانية.
الملاحظة الثامنة: كان منطقياً أن تسارع مصر إلى الترحيب برسالة ومبادرة الرئيس ترامب كما جاء في تغريدة الرئيس السيسي على منصة «إكس» بقوله: إن مصر تقدر اهتمام ترامب بمحورية قضية نهر النيل لمصر، وإن ثوابت مصر في هذا الإطار واضحة وهي التعاون مع دول حوض النيل طبقاً للقانون الدولي وبما يحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأي طرف.
وكان ملفتاً للنظر قول السيسي: إنه وجه خطاباً لترامب يتضمن الموقف المصري وشواغله في هذه القضية.
الملاحظة التاسعة: هي انتظار الموقف الإثيوبي من رسالة ترامب، وهل حدث تواصل وتنسيق بين واشنطن وأديس أبابا قبل هذه الرسالة أم لا.
ظني الشخصي أن الرد الإثيوبي قد يكون على «الطريقة الإسرائيلية» في التعامل مع المقترحات الأميركية، أي عدم الرفض المباشر، بل خلق العراقيل والمعوقات والعودة إلى إغراقنا في الاجتماعات والتفاصيل والحيل والخدع. أو الموافقة على الوصول لاتفاق قانوني وملزم كما ترغب مصر، لكن بشرط الحصول مثلاً على ميناء وقاعدة عسكرية في إقليم أرض الصومال مثلاً.
الملاحظة العاشرة، وأراها شديدة الأهمية: أن ترامب ليس صاحب جمعية خيرية يعرض خدماته الإنسانية مجاناً، وبالتالي فمن المهم أن ننتظر كثيراً حتى نرى آليات التفاوض وما هي العناصر التي سيعرضها ترامب وفريقه.
الملاحظة الحادية عشرة: علينا أن نتخلى عن فكرة الحصول على كل شيء أو لا شيء، هذا الأمر لا ينجح كثيراً في السياسة إلا إذا كانت لديك قوة كاسحة تستطيع بها فرض وجهة نظرك على خصومك، وهذا موضوع يحتاج إلى نقاش مفصل.

شاركها.