كشفت بيانات إسرائيلية عن ارتفاع ملحوظ في أعداد الأطباء الذين غادروا إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، وسط تحذيرات من تداعيات الظاهرة على المنظومة الصحية، خاصة في تخصصات الطب النفسي والأورام والجراحة، مع تزايد المخاوف من استمرار نزيف الكفاءات الطبية إلى الخارج.
وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، أن استطلاعًا أجرته نقابة الأطباء الإسرائيلية، بالتزامن مع تحليل بيانات المكتب المركزي للإحصاء، أظهر مغادرة 1369 طبيبا إسرائيل خلال الفترة من 2023 إلى 2025، لمدة عام على الأقل، بزيادة بلغت 94% مقارنة بالفترة من 2013 إلى 2015، التي سجلت مغادرة 705 أطباء.
وأشار التقرير إلى أن نحو 20% من الأطباء الذين غادروا البلاد تتراوح أعمارهم بين 45 عامًا فأكثر، مقابل 14% في العقد السابق، بما يثير مخاوف بشأن فقدان الخبرات الطبية المتراكمة والكوادر القادرة على تدريب الأجيال الجديدة.
مستشفيات كبرى تواجه نزيف الكفاءات
وبحسب استطلاع نقابة الأطباء، غادر 50 طبيبًا مستشفيات إسرائيلية خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2024، من بينهم 14 طبيبًا من مستشفيي إيخيلوف وبيلينسون، فيما أفادت المستشفيات بأن 53 طبيبًا آخرين سافروا إلى الخارج لاستكمال تخصصاتهم الدقيقة ولم يعودوا في المواعيد المحددة.
وأوضح التقرير أن مستشفى إيخيلوف سجل العدد الأكبر بين الأطباء الذين تأخروا في العودة بعد استكمال تخصصاتهم بالخارج، بواقع 20 طبيبًا، يليه مستشفى شيبا الذي سجل 15 طبيبًا.
وحذر مسؤولون في القطاع الصحي من أن استمرار هذه الظاهرة قد يؤثر على قدرة المستشفيات على تقديم الخدمات الطبية، ويضعف إمكاناتها في مجالات البحث العلمي والتدريب والابتكار.
الطب النفسي من أبرز التخصصات المتضررة
وسلط التقرير الضوء على تأثير هجرة الأطباء في تخصص الطب النفسي، مشيرًا إلى انتقال أطباء شباب إلى نيوزيلندا وهولندا والولايات المتحدة، في ظل تزايد الضغوط المهنية والأمنية والاجتماعية.
وقالت الدكتورة مارينا كوبتشيك، نائبة رئيس نقابة الأطباء ورئيسة الجمعية الإسرائيلية للطب النفسي، إن مستشفى تعمل فيه فقد أربعة أطباء نفسيين خلال العام الماضي، بينهم ثلاثة متخصصين في الطب النفسي للأطفال والرابع في الطب النفسي للبالغين.
وأضافت أن الظروف الأمنية والقلق على مستقبل الأطفال والإرهاق المهني والبحث عن فرص أفضل تمثل أبرز أسباب مغادرة الأطباء، مشيرة إلى أن بعض الأطباء الذين انتقلوا إلى الخارج يواصلون تقديم العلاج للمرضى الإسرائيليين عبر الإنترنت، من خلال اتفاقيات مع شركات التأمين الصحي.
كما لفتت إلى أن نقص الأطباء النفسيين كان قائمًا قبل أحداث السابع من أكتوبر 2023، إلا أن تزايد أعداد الأشخاص الذين يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية زاد الضغط على الأطباء والمنظومة الصحية.
الأوضاع الأمنية وظروف العمل تدفع الأطباء إلى الرحيل
ووفقًا للتقرير، تتصدر الولايات المتحدة وكندا ونيوزيلندا وأستراليا وبريطانيا وألمانيا قائمة الوجهات التي يقصدها الأطباء المغادرون.
وتشمل التخصصات الأكثر تأثرًا، إلى جانب الطب النفسي، الطب الباطني والجراحة والأنف والأذن والحنجرة وأمراض الجهاز الهضمي والأورام، فيما أظهرت دراسة أجرتها جامعة تل أبيب أن تخصصات الأنف والأذن والحنجرة والأمراض الجلدية وطب العيون سجلت معدلات هجرة مرتفعة بين الأطباء الذين تقل أعمارهم عن 60 عامًا.
وقال رئيس نقابة الأطباء الإسرائيلية، البروفيسور تسيون حجاي، إن هجرة الأطباء تمثل خطرًا استراتيجيًا على إسرائيل، محذرًا من أن استمرارها قد يؤدي إلى تراجع قدرات المنظومة الصحية على المدى المتوسط والطويل.
من جانبه، أشار البروفيسور إيدو وولف، ممثل الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للطب العلمي، إلى أن بعض الأطباء الذين غادروا تلقوا عروضًا لتولي مناصب قيادية في مؤسسات طبية بالخارج، رغم توافر فرص مهنية لهم داخل إسرائيل، لافتًا إلى أن الاعتبارات الأمنية وتعليم الأطفال ومستقبلهم من العوامل التي تدفع بعضهم إلى عدم العودة.
تحركات لاستعادة الكفاءات الطبية
وفي مواجهة هذه التطورات، أعلن رئيس نقابة الأطباء الإسرائيلية اعتزام النقابة تشكيل منتدى لدراسة أسباب الهجرة ووضع حلول للحد منها وتشجيع الأطباء المغادرين على العودة.
كما دعا مسؤولون في القطاع الصحي إلى توفير حوافز مهنية ومعيشية تشمل تحسين ظروف العمل، ودعم البحث العلمي، وتوفير فرص عمل للأزواج، والمساعدة في السكن وتعليم الأبناء.
وشددوا على أهمية التواصل مع الأطباء خلال فترات التخصص بالخارج، وبناء مسارات مهنية واضحة تضمن الاستفادة من خبراتهم عند عودتهم.
وتعكس هذه المؤشرات تحديًا متزايدًا أمام المنظومة الصحية الإسرائيلية، في ظل تداخل الضغوط الأمنية والمهنية مع فرص العمل الأفضل في الخارج، بما يثير تساؤلات حول قدرة المستشفيات على الاحتفاظ بكفاءاتها الطبية وضمان استمرارية الخدمات الصحية.
