تمكن باحثون من استخدام نحو مليون نقطة بيانات، إلى جانب خوارزمية تعلم آلي، لإعداد أدق تقدير حتى الآن لمخزونات المياه الجوفية في الولايات المتحدة المتجاورة، في خطوة قد تعزز فهم إدارة الموارد المائية على المدى الطويل.

وتعد تقديرات المياه الجوفية مهمة معقدة، إذ لا تتجاوز نسبة المياه العذبة الظاهرة على سطح الأرض والقابلة للقياس المباشر 1% فقط، بينما تختلف كميات المياه المختزنة تحت السطح تبعا لعمق منسوب المياه ومسامية التربة، وهما عاملان يصعب قياسهما بدقة.

يشبه ريد ماكسويل، عالم الهيدرولوجيا في جامعة برينستون، المياه السطحية مثل الأمطار والثلوج والجريان السطحي بـ”الحساب الجاري” الذي يستخدم لتلبية الاحتياجات قصيرة الأجل، في حين تمثل المياه الجوفية “حساب التوفير” الذي ينبغي أن يتراكم بمرور الوقت.

ويشير إلى أن إدارة هذا المورد الحيوي تتم غالبا دون معرفة دقيقة بحجم التغذية السنوية أو الكمية الإجمالية المخزنة في باطن الأرض.

تقدير بـ 306 آلاف كيلومتر مكعب

توصل الفريق إلى أن حجم المياه الجوفية في الولايات المتحدة المتجاورة يبلغ نحو 306,500 كيلومتر مكعب، وهو ما يعادل 13 ضعف حجم البحيرات العظمى مجتمعة، ونحو سبعة أضعاف كمية المياه التي تصرفها أنهار العالم خلال عام واحد.

واعتمدت الخريطة الجديدة على دقة مكانية تصل إلى 30 مترا، وشملت المياه حتى عمق 392 مترا، وهو أعمق مستوى تتوافر عنه بيانات موثوقة بشأن المسامية، إذ كانت تقديرات سابقة قد تراوحت بين 159 ألفا و570 ألف كيلومتر مكعب.

ووصف جرانت فيرجسون، عالم الهيدروجيولوجيا في جامعة ساسكاتشوان، الدراسة بأنها تمثل خطوة متقدمة مقارنة بجهود رسم الخرائط السابقة، نظرا لتحسن الدقة واستخدام تقنيات تحليل متطورة.

تجاوز قيود الآبار التقليدية

استندت التقديرات السابقة بشكل أساسي إلى قياسات الآبار، التي تمثل نقاطا محدودة قد لا تعكس الصورة الكاملة، خاصة أن توزيعها غير متوازن جغرافيا، بينما أن عمق المياه الجوفية قد يختلف بشكل ملحوظ على مسافات قصيرة.

وللتغلب على هذه القيود، دمج الباحثون بيانات الآبار مع نماذج فيزيائية لتدفق المياه الجوفية، إضافة إلى بيانات الأقمار الصناعية لرصد الاتجاهات واسعة النطاق.

وعند مقارنة دقة الخريطة الجديدة (30 مترا) بنماذج أقل دقة تبلغ 100 كيلومتر، تبين أن تقليل الدقة يؤدي إلى تقليل التقديرات بنسبة تصل إلى 18%، ما يؤكد أهمية البيانات عالية الدقة.

40% من الأراضي بعمق أقل من 10 أمتار

كشفت الخريطة أن نحو 40% من أراضي الولايات المتحدة المتجاورة يقل عمق منسوب المياه الجوفية فيها عن 10 أمتار، وهو نطاق يسمح بتفاعلات مباشرة بين المياه الجوفية والنباتات وسطح الأرض، ما يعكس الترابط الوثيق بين هذه الأنظمة البيئية.

استندت الدراسة إلى نحو مليون قياس جمعت بين عامي 1895 و2023، شملت بيانات الآبار، والأقمار الصناعية، وخرائط هطول الأمطار ودرجات الحرارة والتوصيل الهيدروليكي ونسيج التربة والارتفاع والمسافة من المجاري المائية.

وباستخدام التعلم الآلي، تمكن الباحثون من دمج هذه البيانات الضخمة في نموذج واحد، إذ أوضح ماكسويل أن النموذج استطاع التقاط تأثيرات ضخ المياه البشرية واستنزافها، وهو ما قد يعد “تحيزا” في سياقات أخرى، لكنه هنا ساعد في تحسين دقة التقدير.

أداة لدعم صناع القرار

يأمل الباحثون أن تشكل الخريطة مرجعا لصناع القرار في إدارة الموارد المائية، وكذلك للمزارعين عند اتخاذ قرارات الري، بينما قد تسهم في رفع الوعي بأهمية المياه الجوفية، التي تبقى موردا حاضرا في كل مكان، وإن كان على أعماق متفاوتة.

وبحسب الباحثين، فإن الخريطة توضح أنه أينما كنت، سواء كان عمق المياه مترا واحدا أو مئات الأمتار، فإن الماء موجود في مكان ما تحت السطح.

شاركها.