رام الله/سما طرح المركز الفلسطيني للدراسات السياسية ورقة بحثية تحلل أزمة الردع الفلسطيني في الضفة الغربية، وتقترح مسارًا عمليًا يعتمد على أدوات غير عسكرية لمواجهة الاعتداءات المتصاعدة للمستوطنين.

تشخّص الورقة تحولًا خطيرًا في طريقة التعامل الفلسطيني مع العنف الاستيطاني: فبعد أن كانت الجهود تركز على منع الاعتداءات، انزاحت تدريجيًا نحو إدارة تداعياتها بعد وقوعها. هذا التحول يأتي في سياق استمتاع المشروع الاستيطاني ببيئة منخفضة التكاليف، حيث يستفيد من حماية أمنية وتغطية سياسية وقضائية تحوّل الاعتداء إلى واقع جغرافي دائم.

وثقت بيانات فلسطينية رسمية أكثر من 11 ألف اعتداء خلال النصف الأول من عام 2026، إلى جانب إقامة 42 بؤرة استيطانية جديدة معظمها بؤر رعوية. حذّرت منظمة العفو الدولية من أن هذا العنف، مقترنًا بسياسات هدم وتقييد الوصول إلى الموارد، يدفع التجمعات الفلسطينية الريفية نحو التهجير القسري.

تقدّم الورقة مفهوم «الردع غير العسكري» القائم على استخدام أدوات ميدانية وقانونية واقتصادية ودبلوماسية وإعلامية بهدف رفع كلفة الاعتداء المتوقعة قبل وقوعه. تقترح تفكيك «الثلاثي الاستيطاني» إلى ثلاث مستويات—المستوطن والجيش والأجهزة الأمنية والدولة والمؤسسات الحاكمة—مع تحديد أدوات ضغط مختلفة لكل مستوى.

تركّز الورقة على الاستيطان الرعوي باعتباره من أسرع أدوات السيطرة على الأرض. ارتفع عدد البؤر الرعوية من صفر عام 2021 إلى 133 بؤرة بحلول عام 2025، والتي تسيطر على أكثر من مليون دونم. خطورة هذا النمط لا تقتصر على استيلاء الأرض، بل تمتد إلى تفكيك البيئة الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية عبر ضرب الزراعة والثروة الحيوانية وقطع الوصول إلى المياه والمراعي، مما يدفع السكان تدريجيًا للمغادرة.

أمام محدودية قدرة السلطة الفلسطينية على توفير حماية شاملة خصوصًا في المناطق «ج»، تضع الورقة الصمود الشعبي في مركز المعادلة. تقترح تطويره إلى منظومة مؤسسية تشمل تثبيت السكان والبناء الزراعي وشبكات التعويض السريع ولجان الحراسة والإنذار المبكر والتوثيق الحقوقي الفوري.

تؤكد الورقة أن بقاء الأسر الفلسطينية في المناطق المهددة—خاصة مسافر يطا والأغوار وجنوب الخليل—يمثل أكثر من مجرد صمود اجتماعي؛ فعندما يُقترن بتكاليف سياسية وإعلامية وقانونية متصاعدة، يتحول إلى أداة ردع فعلية.

تقترح الورقة إنشاء نظام إنذار مبكر وحماية مجتمعية يشمل تطبيقات تحديد موقع وكاميرات مراقبة تعمل بالطاقة الشمسية ولجان حراسة مدرّبة وشبكة إسناد قروية، إلى جانب توثيق رقمي فوري آمن للانتهاكات. يُقاس نجاح النظام بزمن الاستجابة وتغطية القرى المهددة وقدرته على إفشال الاعتداء أو الحد من أضراره.

دعت الورقة إلى توظيف فعّال للأدوات الاقتصادية والقانونية والدبلوماسية من خلال ملاحقة المستوطنين والمسؤولين المتورطين وتفعيل الولاية القضائية العالمية وبناء ملفات قانونية موثقة وربط العلاقات الدولية بمدى الالتزام بالقانون الدولي.

خلصت الورقة إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب التنسيق الوطني والتمويل المستدام. تقترح البدء بالأدوات الأقل كلفة والأكثر قابلية للتنفيذ مثل الإنذار والتوثيق، ثم الانتقال تدريجيًا إلى الملاحقة القضائية والضغط الدبلوماسي.

في جوهرها، تعيد الورقة تعريف الردع الفلسطيني باعتباره قدرة تراكمية على رفع كلفة الاعتداء وحماية الوجود على الأرض، مما يجعل الصمود الشعبي والتوثيق والقانون والاقتصاد والدبلوماسية والإنذار المبكر أجزاءً متكاملة من استراتيجية موحدة.

اقرأ أيضًا:

شاركها.