طرح الباحثون في جامعة ميريلاند الأمريكية ابتكارًا جديدًا يتمثل في ملابس داخلية ذكية مجهزة بأجهزة استشعار دقيقة لتتبع الغازات المعوية التي يطلقها جسم الإنسان، في محاولة لإحراز فهمًا أعمق بشأن صحة الجهاز الهضمي وسلامة الميكروبيوم.

يقول برانتلي هول، صاحب هذا الابتكار والأستاذ المشارك في قسم بيولوجيا الخلية وعلم الوراثة الجزيئي بجامعة ميريلاند، إن “مهمتنا النهائية هي مساعدة الناس على تناول أطعمة غنية بالألياف بشكل مريح مع تقليل الغازات المعوية”. تتكون الملابس من قرص صغير بحجم قطعة نقدية يثبت في الجزء الخلفي من الملابس الداخلية، ويستخدم مستشعرات كهروكيميائية لرصد غاز الهيدروجين الذي يدل على إنتاج الغازات.

تكتسب هذه التقنية أهمية خاصة في ضوء الإحصاءات التي تشير إلى أن 95% من الأمريكيين لا يتناولون الكمية الكافية من الألياف. تلعب الألياف دورًا حيويًا في صحة الجهاز الهضمي وتنظيم مستويات السكر والكوليسترول وتعزيز صحة ميكروبيوم الأمعاء، الذي يضم مليارات البكتيريا النافعة والكائنات الدقيقة. لكن زيادة استهلاك الألياف غالبًا ما تسبب زيادة في الغازات المعوية، خاصة في البداية، لأن بكتيريا الأمعاء تقوم بتخمير هذه المادة وإنتاج غازات مثل الهيدروجين.

يندرج هذا الابتكار ضمن مشروع بحثي عالمي يُسمى “أطلس غازات الإنسان”، الذي استقطب مئات المتطوعين من مختلف دول العالم لارتداء الجهاز الذكي وتسجيل وجباتهم الغذائية. أظهرت الدراسة الأولى التي نُشرت في مجلة “Biosensors and Bioelectronics” أن متوسط عدد مرات إطلاق الغازات بلغ حوالي 32 مرة خلال فترة 12 ساعة يوميًا لمدة سبعة أيام.

أما الدراسة الثانية الجارية، فقد جمعت بيانات من أكثر من 500 متطوع، يرتدون الجهاز لا تقل عن 22 ساعة يوميًا لفترات تراوحت بين ثلاثة أيام و30 يومًا، مع نزعه فقط عند الاستحمام أو استخدام المرحاض. يأمل هول والفريق البحثي في نشر نتائج هذه الدراسة قريبًا.

قبل ظهور هذه التقنية، كان الأطباء يعتمدون على تقرير المريض نفسه عن عدد مرات إطلاقه للغازات، أو يلجأون إلى إجراءات تدخلية محرجة وغير مريحة لقياسها. يذكر هول دراسات الباحث مايكل ليفيت، الملقب بـ “ملك الغازات”، الذي استخدم في أبحاثه أنابيب تُدخل عبر المستقيم لاحتساب الغازات، وهي طريقة بالغة الإحراج والتدخل. تسمح الملابس الذكية بقياس الغازات بطريقة طبيعية دون تدخل، حتى أثناء النوم، وهو موضوع لم يُدرس علميًا بشكل كاف سابقًا.

يشير الدكتور جوردان أكسلراد، الأستاذ المشارك في كلية غروسمان للطب بجامعة نيويورك، إلى أن هذه التقنية قد توفر “قياسًا مستمرًا وغير تدخلي وفي ظروف الحياة الواقعية للنشاط الأيضي للميكروبات”، مما قد يساعد الباحثين على اكتشاف مشاكل الجهاز الهضمي في مراحل مبكرة. لكنه يؤكد أن الناس لا يحتاجون للقلق بشأن كمية الغازات التي يطلقونها إلا إذا اقترنت بأعراض أخرى مثل الانتفاخ الشديد أو آلام البطن أو الإسهال أو الإمساك أو فقدان الوزن.

تؤكد الدكتورة تريشا باسريشا، الباحثة في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي في بوسطن والأستاذة المساعدة بجامعة هارفارد، أن العديد من مراجعيها يعتقدون أنهم يعانون من غازات زائدة بينما هم في الواقع ضمن المعدل الطبيعي. تشرح أن “معظم الناس لا يعدون عدد مرات إطلاقهم للغازات ولا يشاركون هذا الرقم مع الآخرين بسبب الإحراج، لذا يفتقرون إلى معيار موضوعي للمقارنة”.

يوضح أكسلراد أن إطلاق الغازات جزء طبيعي وضروري من صحة الجهاز الهضمي، وينتج في معظم الأحيان عن تخمير بكتيريا القولون للكربوهيدرات التي لا يستطيع الجسم هضمها بالكامل. وبالتالي فإن كمية الغازات تختلف بشكل كبير حسب النظام الغذائي وتكوين ميكروبيوم الأمعاء الفردي وحتى كمية الهواء المبتلعة.

أشارت دراسة وطنية أجريت عام 2023 حول مشاكل الجهاز الهضمي لدى حوالي 89 ألف أمريكي إلى أن واحدًا من كل 4 أشخاص يعاني من مشاكل مرتبطة بالغازات والانتفاخ والغازات المفرطة وآلام البطن. لكن باسريشا تؤكد أن “لا توجد حاليًا بيانات قوية تُظهر أن عدد مرات إطلاق الغازات وحده يشير إلى وجود مرض معين”.

بينما قد تزداد الغازات عند الأشخاص الذين يزيدون من تناول الألياف، خاصة في البداية، إلا أن هذا عادةً أمر إيجابي وليس تحذيرًا طبيًا. غير أنه إذا لاحظ شخص ما عدم إطلاقه للغازات إطلاقًا مع معاناته من ألم في البطن وعدم التبرز، فهذا قد يشير إلى انسداد معوي يتطلب رعاية طبية فورية.

يأمل الباحثون أن تساهم الملابس الذكية والبيانات المجمعة من خلالها في فهم أعمق لارتباط التغيرات في ميكروبيوم الأمعاء بالأمراض المختلفة، وكيف تؤثر التعديلات الغذائية على حالات قد لا تبدو مرتبطة بالأمعاء مباشرة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والخرف. مع تراكم المزيد من البيانات والأبحاث، قد نصل إلى مرحلة يمكن فيها تقديم علاجات فردية مخصصة تستهدف ميكروبيوم الأمعاء، بما فيها أنظمة غذائية وبروبيوتيك مصممة خصيصًا لكل شخص.

شاركها.