لم تعد الحرب على الجبهة اللبنانية تُدار فقط بالصواريخ الثقيلة والغارات الجوية والبيانات العسكرية. ثمة حرب أخرى أصغر حجمًا، لكنها أعمق أثرًا، تتحرك بين الأشجار والوديان والمواقع الأمامية: حرب المسيرات الرخيصة، الدقيقة، والمصممة لاختراق واحدة من أهم نقاط القوة الإسرائيلية، وهي التفوق التكنولوجي والحرب الإلكترونية.
في هذا السياق تبرز مسيرات حزب الله المبنية على الألياف الضوئية، بوصفها واحدة من الأدوات التي أثارت قلقًا متزايدًا في القراءة الإسرائيلية. فهذه المسيرات لا تعتمد، وفق ما تتداوله تقارير وتقديرات إسرائيلية، على الاتصال اللاسلكي التقليدي الذي يمكن التشويش عليه بسهولة، بل تبقى مرتبطة بمشغلها عبر كابل ألياف ضوئية دقيق، يمنحها قدرة أعلى على مقاومة التشويش، ويوفر للمشغل صورة أوضح ومسار تحكم أكثر استقرارًا في بيئة ميدانية معقدة.
هذه ليست مجرد تفصيلة تقنية. إنها تعني أن حزب الله يبحث عن ثغرات داخل منظومة التفوق الإسرائيلي نفسها. فإسرائيل التي بنت جزءًا كبيرًا من قوتها على الرصد، والتشويش، والسيطرة الجوية، تجد نفسها أمام أداة منخفضة الكلفة نسبيًا، لكنها قادرة على فرض معادلة مختلفة: ليس المطلوب أن تهزم التكنولوجيا الإسرائيلية بالكامل، بل أن تربكها، وتستنزفها، وتجبرها على إنفاق موارد أكبر بكثير من كلفة الهجوم.

وهنا تكمن خطورة هذا النوع من السلاح. فالمسيرة الليفية لا تمنح حزب الله تفوقًا استراتيجيًا شاملًا، ولا تغيّر وحدها مصير الحرب، لكنها تضيف طبقة جديدة إلى حرب الاستنزاف. إنها سلاح مناسب تمامًا لحرب “ما دون الانفجار الكبير”: ضربة محدودة، هدف عسكري، خسارة موضعية، غموض محسوب، ثم عودة إلى إيقاع الهدنة المشتعلة.
الأخطر أن هذه الأدوات تعمل في منطقة رمادية. فالجنوب اللبناني لا يعيش حربًا شاملة معلنة، لكنه لا يعيش سلامًا أيضًا. القوات الإسرائيلية المنتشرة في مواقع ثابتة أو شبه ثابتة داخل مناطق حساسة تصبح أكثر عرضة للاستهداف بأدوات دقيقة ورخيصة. وبهذا يتحول وقف إطلاق النار، أو ما يشبه الهدنة، من مساحة تهدئة إلى مساحة كمون عسكري واستنزاف يومي.
من الناحية النفسية، تحمل هذه المسيرات رسالة لا تقل أهمية عن أثرها الميداني. فهي تقول لإسرائيل إن وجود قواتها داخل الجنوب أو على تخومه لن يكون آمنًا مهما بلغت درجة الحماية، وتقول في الوقت نفسه إن حزب الله، رغم الضربات والضغط والاغتيالات، ما زال قادرًا على تطوير أدوات اشتباكه وتكييفها مع شروط المعركة الجديدة.
لكن القراءة المتوازنة تفرض عدم المبالغة. فهذه المسيرات ليست عصية بالكامل على الرصد أو الاعتراض، ولا تعني أن إسرائيل فقدت قدرتها على الرد. تلجأ إسرائيل إلى وسائل اعتراض مادية، ومسيرات مضادة، ونيران مباشرة، وتكثيف الرصد، ومحاولة ضرب خلايا الإطلاق. غير أن المشكلة الأساسية تبقى في معادلة الكلفة: حين يكون الهجوم رخيصًا والدفاع مكلفًا، يصبح التفوق التكنولوجي عبئًا ماليًا وعملياتيًا لا مجرد ميزة.
وهذه واحدة من حقائق الحروب الحديثة. لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الجيش أو نوع الطائرات أو دقة الصواريخ، بل بقدرة الطرف الأضعف على إيجاد أداة صغيرة تفرض على الطرف الأقوى نمطًا دفاعيًا مرهقًا. من هنا تبدو المسيرات الليفية أقرب إلى “سلاح إزعاج استراتيجي” لا إلى سلاح حسم نهائي؛ فهي لا تنهي الحرب، لكنها تمنع الخصم من الشعور بالاستقرار.
في الحساب اللبناني الأوسع، تعقّد هذه التقنية أي تسوية مقبلة. فطالما بقيت القوات الإسرائيلية في مواقع متقدمة، وطالما بقي الجنوب مساحة مفتوحة للضغط العسكري، ستبقى أدوات الاستنزاف حاضرة. وهذا يعني أن الحل الأمني لا يمكن أن يقوم فقط على اعتراض مسيرة هنا أو ضرب خلية هناك، بل على معالجة أصل الاشتباك: الاحتلال، التمركز، قواعد الاشتباك، وضمانات الانسحاب والاستقرار.
الخلاصة أن مسيرات حزب الله بالألياف الضوئية ليست مجرد إضافة تقنية إلى ساحة القتال، بل مؤشر على تحوّل أعمق في طبيعة الحرب. نحن أمام زمن تستطيع فيه أداة صغيرة أن تهز ثقة جيش كبير، وأن تحوّل التفوق التكنولوجي من مصدر اطمئنان إلى ساحة اختبار يومية.
إنها حرب منخفضة الكلفة، عالية الأثر؛ حرب لا تبحث عن الحسم بضربة واحدة، بل عن إنهاك الخصم بالتفاصيل. وفي جنوب لبنان، كما في حروب هذا الزمن كلها، لم تعد الأسلحة الصغيرة تعني أثرًا صغيرًا. أحيانًا، تكون الخيوط الرفيعة هي التي تشدّ أعصاب الجيوش الكبرى.
كاتب اردني

شاركها.