يُعد بنيامين نتنياهو، أطول رؤساء وزراء إسرائيل خدمة، شخصية إشكالية بامتياز، تمثل نموذجًا فريدًا للقائد الذي يواصل التمسك بالسلطة رغم انهيار الدعم الشعبي وتوالي الفضائح. خبراء نفسيين إسرائيليين عالجوه أو درسوا شخصيته، ومصادر إسرائيلية موثوقة، كتبت عن هذه الشخصية الإشكالية لفهم الآليات النفسية التي تمكنه من السيطرة على من حوله وتجييش قاعدته الشعبية في كل مرة تقترب فيها الانتخابات أو تشتد رقابة القانون ضده بتهم الفساد. دراسة شخصية نتنياهو و التناقض بين خطابه الديني الديناميكي وحياته العلمانية، وأصول معتقداته المستمدة من والده بنزيون نتنياهو، وأيديولوجيته المتطرفة تعكس تشوه فكري ونرجسية غير مسبوقة في دوائر الحكم الإسرائيلية.
 
موشيه ياتوم: الانتحار كاتهام نهائي
في واقعة صادمة هزت الأوساط النفسية في إسرائيل، انتحر الطبيب النفسي البارز موشيه ياتوم في عام 2010، تاركًا رسالة انتحار ألقى باللوم فيها على مريضه السابق بنيامين نتنياهو. كتب ياتوم: “لم أعد أتحمل”، واصفًا الشخصية التي عالجها بأنها “مضطربة وعنيفة بشدة” .
وقد فصّل ياتوم في رسالته كيف ينظر نتنياهو إلى العالم والسياسة بعبارات متناقضة صادمة:
ما يراه نتنياهو     تفسيره المحرّف
السرقة                    فداء
الفصل العنصري        حرية
نشطاء السلام           إرهابيون
           القتل                   دفاع عن النفس
                                     القرصنة                شرعية
فلسطين                  أردن
                                            الضم          تحرير
واختتم ياتوم تحليله بالقول إن تناقضات نتنياهو لا تنتهي، مضيفًا: “هذا الرجل يستطيع أن يقول إن غاندي اخترع القبضات الحديدية” .
 
عوفر جروزبيرد: النرجسية وجنون الارتياب
وصف عوفر جروزبيرد، الطبيب النفسي والمستشار السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، نتنياهو بأنه “شخصية نرجسية يعيش حياة مزدوجة بأقنعة” .
وأوضح في تحليله:” عدم القدرة على تقبل الفشل: شخصية نتنياهو لا تسمح له بتحمل الإهانات. عندما يتهم بالفساد، بدلاً من مواجهة ذلك بهدوء على المستوى القانوني، “يقع في جنون الارتياب، ويحشد مؤيديه ويتحدث عن مؤامرة ضده” .
القتال من أجل السمعة
 يرى جروزبيرد أن نتنياهو “يحارب من أجل سمعته” ويعتبر الأزمات التي يمر بها معارك من أجل “إسرائيل” .
 بين العلمانية الشخصية والخطاب الديني
رغم أن نتنياهو يُصنف على أنه غير متدين في حياته الشخصية (لا يلتزم بالشريعة اليهودية)، فإنه يستخدم باستمرار اقتباسات من التوراة والتلمود في خطاباته السياسية. هذا التناقض يعكس نرجسية معقدة تداري خوفها بالتهور الأعمى، وتخفي ضعفها بالقسوة المفرطة، وتغطي فسادها بصفحات التوراة” .
 اقتباسات نموذجية من خطاباته الدينية
في مناسبات متعددة، اقتبس نتنياهو نصوصًا من العهد القديم لتبرير أفعاله:
من سفر إشعيا: قال متوعدًا أعداءه: “نحن أبناء النور وهم أبناء الظلام، وسيهزم النورُ الظلام”.
محاربة عماليق: اقتبس النص التوراتي الذي يأمر بمحو عماليق: “والآن اذهب، واضرب عماليق وحرم كل ما لهم، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، والجمل والحمار” .
يعتبر المحللون أن استخدام هذه النصوص هو أداة لتجييش القاعدة الدينية، رغم أن نتنياهو نفسه لا يلتزم بالشعائر الدينية في حياته الخاصة .
 
كيف يسيطر نتنياهو على من حوله ويقنعهم؟
وفقًا للمحلل النفسي جروزبيرد، تعتمد إستراتيجية نتنياهو في السيطرة على:
تحويل الأزمة الشخصية إلى أزمة وطنية: عندما يتهم بالفساد، لا يدافع عن نفسه قانونيًا، بل يروي قصة مؤامرة ضده من قبل “اليسار” و”النخبة القضائية” و”وسائل الإعلام” .
تجييش القاعدة الشعبية:” بدلاً من مواجهة الاتهامات، يُخرج أنصاره إلى الشوارع، ويحوّل المحاكمة إلى معركة وجودية لإسرائيل .
إبقاء الصراع حياً، يحتاج نتنياهو إلى عدو خارجي (إيران، حماس) وعدو داخلي (القضاء، وسائل الإعلام) ليظل في مركز المشهد.
 كيف يقنع حلفاءه؟
يكشف تحليل نشرته صحيفة “هآرتس” أمس عن الطريقة التي يتعامل بها نتنياهو مع حلفائه، خاصة الأحزاب الحريدية (المتدينة). ورغم إعلان الحاخام دوف لنداو (زعيم التيار الليتائي) أن “كل أنواع الحديث عن كتلة لم تعد موجودة” وأنهم “لم يعودوا يثقون بنتنياهو”، فإن المحللين يؤكدون أن هذه التصريحات مجرد مناورة سياسية .
آلية الإقناع الرئيسية هي المليارات: بحسب صحيفة “ذا ماركر” الاقتصادية، يروج نتنياهو “لخطة خمسية بقيمة مليارات الشواقل لليهود المتشددين كتعويض عن عدم وجود قانون لمكافحة التهرب من التجنيد” . باختصار، يشتري ولاء حلفائه بالميزانيات والوظائف والإعفاءات.
 
السيطرة والخوف عند اقتراب الانتخابات أو التحقيق
 إستراتيجية التخويف الممنهجة
وفقًا لتحليل نشره الكاتب نحاميا شترسلر في صحيفة “هآرتس” أمس، فإن نتنياهو مستعد “لإحراق كل البلاد” من أجل تجنب المحاكمة. وتشمل إستراتيجياته:”تقويض المحكمة العليا ، نزع شرعيتها لئلا تتمكن من تنفيذ قرارات ضده والهجوم على لجنة الانتخابات المركزية وتخويف رئيسها ومديرها العام ليتغاضوا عن التزوير وتعيين مدعٍ عام من قبله وفصل وظيفة المستشار القانوني للحكومة لإيقاف المحاكمة، وإشعال حرب، إذا أظهرت الاستطلاعات أنه لا يملك الأغلبية، قد يُشعل حربًا لتأجيل الانتخابات، وإرسال “زعران اليمين المتطرف” لتفجير تجمعات المعارضة في الشارع. كذلك تسليح الشرطة واستخدام شرطة بن غفير لقمع المعارضين بدلاً من حمايتهم.

 التهديد بإلغاء الانتخابات
يحذر شترسلر من سيناريوهات أكثر خطورة: إذا لم تنجح كل هذه الإجراءات، قد يعلن نتنياهو أن “اليسار قام بالغش وسرقة الأصوات” ويرفض النتائج. وإذا عارضت المحكمة العليا، فسيتم حلها وإجراء انتخابات جديدة على الشاكلة الديكتاتورية ” .
 
من أين استقى نتنياهو أفكاره؟
الإرث الأبوي
ورث نتنياهو جزءًا كبيرًا من نظرته للعالم من والده بنزيون نتنياهو، الذي كان تلميذًا لزئيف جابوتينسكي، أبو الصهيونية التصحيحية (التيار اليميني المتطرف). كان جابوتينسكي يؤمن بـ “إسرائيل الكبرى” ويؤمن بالعنف كوسيلة لتحقيق ذلك.
 نظرة والد نتنياهو للعرب
كان بنزيون نتنياهو لا يؤمن بوجود شعب فلسطيني، ووصف “جوهر” العرب بعبارات عنصرية قاسية: “الميل للصراع متأصل في جوهر العرب… وجوده هو وجود حرب دائمة… حل الدولتين غير موجود” .
 
الانعكاس على سياسات الابن
هذه الأفكار ترجمها نتنياهو الابن إلى سياسات: “لا يهم نوع المقاومة التي سيواجهها، أو الثمن الذي سيدفعه” . تفسر هذه الجذور الأيديولوجية استمراره في الحرب على غزة رغم الضغوط الدولية والإنسانية.
 وفي هذا السياق، كتبت الكاتبة عيناف شيف أن إسرائيل أصبحت تدير ظهرها لحلفائها الغربيين القلائل المتبقين، وتفقد دعم شخصيات دافع عنها بشجاعة.
وتخلص إلى أن إسرائيل لم تعد تهتم بالنأي بنفسها عما يقوله منتقدوها: “ليست هذه الأمور من اختراعات المؤثرين المعادين للسامية على تيك توك… بل هي أحداث متسقة وموثقة” .
يصف شترسلر نتنياهو بأنه “الشخص الأكثر حقارة في تاريخ الشعب اليهودي” ، ويوثق بالتفصيل كيف أن رئيس الوزراء مستعد “لاحراق كل البلاد” من أجل البقاء في منصبه وتجنب السجن .
إلى أين تتجه إسرائيل بهذه العقليات؟
يجمع المحللون الإسرائيليون أن إسرائيل تمر بأخطر أزمة في تاريخها، ليست فقط أزمة حرب أو اقتصاد، بل أزمة قيم وهويتها كدولة ديمقراطية. ففي الوقت الذي تدعي فيه التمسك “بالقيم والأخلاق والديمقراطية” ، فإن أفعالها بدءًا من الفصل العنصري في الضفة الغربية، مرورًا بتقويض القضاء، وانتهاءً بسياسات التخويف والترهيب الانتخابي تقربها أكثر من وصفها بأنها “دولة مثيرة للحروب، متعطشة للاستعمار، محتقرة للمبادئ الأخلاقية والقانون الدولي” .
إن الحالة النرجسية المعقدة لنتنياهو، الموروثة عن أبيه الأيديولوجي، ليست مجرد مرض نفسي فردي، بل أصبحت للأسف تعكس حالة مجتمعية أوسع. فطالما يجد هذا القائد من يؤيده، ويستمر في شراء ولاء حلفائه بالمليارات، وترتعب المعارضة من تهديداته، فإن إسرائيل ستواصل مسيرتها نحو الهاوية.

عن القدس دوت كم

شاركها.