سؤال الفرد، المناضل والمواطن وربما سؤال المفكر… حين تتحول التنظيمات إلى مرايا للولاء لا للكفاءة.
انتهى مؤتمر حركة فتح، سواء اعتبره البعض استحقاقًا تنظيميًا طبيعيًا، أو رأى فيه آخرون عملية هندسة سياسية لنتائج محسومة سلفًا، أو حتى نموذجًا لما يُسمّى داخل الأدبيات التنظيمية بـالديمقراطية الحركية أو بالعُرس الفتحاوي. بدايةً، أتقدم بالتهنئة لكل الإخوة الذين حازوا ثقة المؤتمر وفازوا بعضوية الهيئات القيادية، متمنيًا لهم التوفيق والنجاح في خدمة شعبنا الفلسطيني وقضيتنا الوطنية في واحدة من أصعب المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية سياسيًا ووطنيًا وإنسانيًا. فالمسؤولية اليوم لم تعد مجرد موقع تنظيمي أو مكسب شخصي، بل عبء ثقيل يرتبط بمصير شعب يعيش حربًا وانقسامًا وتحديات غير مسبوقة. لكن، بعيدًا عن الجدل التقليدي حول النتائج والأسماء والتوازنات، وبعيدًا أيضًا عن ثنائية الفوز والخسارة، يبقى هناك سؤال يتكرر بصمت داخل كثير من العقول: كيف تُصنع معايير الاختيار أصلًا؟ وربما سؤال أكثر عمقًا وقسوة: لماذا لم أكن هناك؟
ليس سؤالًا شخصيًا ضيقًا بقدر ما هو سؤال يتعلق بمعايير الاختيار نفسها، ومن الذي يُعرَّف باعتباره كفاءة تستحق أن تكون داخل القاعة لا خارجها؟ وبطبيعة البنية التنظيمية والسياسية التي تُنتج النخب وتعيد تدويرها. فحين تُعلن قوائم المدعوين، أو تُفرز الكفاءات، يبدأ كثير من الأكاديميين والمثقفين وأصحاب الخبرة والنشاط الوطني بمراجعة ذواتهم لا التنظيم فقط:ما الذي امتلكه هؤلاء ولم أمتلكه أنا؟ أي مهارة جعلتهم داخل القاعة وأبقتني خارجها؟ هل ينقصني العلم؟ أم الخبرة؟ أم الحضور؟ أم النضال، أم أن المعيار الحقيقي شيء آخر لا يُقال علنًا؟ وربما لأن بعض المعايير الجديدة باتت تكافئ الضجيج أكثر من الفعل، والحضور الطارئ أكثر من التاريخ الحقيقي.
وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية. لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة تحرر أو تنظيم سياسي ليس غياب الديمقراطية فقط، بل غياب الوضوح في تعريف الكفاءة. فعندما تصبح معايير الاختيار ضبابية، أو مرتبطة بالشبكات الشخصية، أو بالقدرة على التموضع داخل مراكز النفوذ، يتحول الإقصاء من حالة تنظيمية إلى شعور جمعي بالاغتراب السياسي. المشكلة ليست فقط في أن بعض الكفاءات لا تصل، بل في أن النظام التنظيمي ذاته قد لا يعود يبحث عنها أصلًا.
في التجارب السياسية الحية، لا تُقاس الكفاءات بعدد الصور ولا بحجم التصفيق، بل بالقدرة على الإضافة: بالفكر والإسهام المعرفي، بالمبادرة، بالإنجاز، بالحضور المجتمعي، وبالقدرة على النقد والبناء وتحمل المسؤولية. لكن في كثير من البنى التنظيمية المتعبة، تتغير المعايير تدريجيًا، ويصبح المطلوب ليس الأكثر قدرة، بل الأكثر انسجامًا مع التوازنات القائمة، أو الأقل إزعاجًا للبنية التقليدية.
وهنا يشعر كثيرون أن السؤال لم يعد: لماذا لم تتم دعوتي؟ بل: هل كانت المعايير أصلًا تبحث عن أمثالي؟ هذا النوع من الأسئلة لا يعكس بالضرورة نزعة شخصية نحو المناصب أو المواقع، بل يكشف أزمة أعمق تتعلق بعلاقة النخب الفلسطينية بالحياة السياسية والتنظيمية. فهناك جيل كامل من الأكاديميين والمهنيين والباحثين وأصحاب الخبرة يشعر أنه يقف دائمًا خارج المشهد، لا لأنه بلا كفاءة، بل لأن الكفاءة نفسها لم تعد العامل الحاسم.
وربما هنا تكمن إحدى أخطر الإشكاليات التي تواجه حركة فتح، بل والحالة الفلسطينية عمومًا: كيف يمكن لحركة بتاريخ فتح وحجمها ودورها الوطني أن تتجدد، دون مراجعة حقيقية لمعايير الحضور والتمثيل واختيار من يُنظر إليهم باعتبارهم الجديرين بالموقع والمسؤولية؟ وكيف يمكن إقناع الأجيال الجديدة بالانخراط في العمل السياسي والتنظيمي، إذا ترسخ لديها شعور بأن الطريق إلى المواقع لا يمر بالضرورة عبر المعرفة أو الإنجاز أو الكفاءة، بل عبر آليات أخرى أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا؟
ولعل الأكثر مرارة أن كثيرًا من أصحاب الخبرة والكفاءة يحاولون أحيانًا تفسير غيابهم عن المشهد بإقناع أنفسهم أنهم لم يكونوا يومًا من أهل الثورة، ولم يخوضوا ساحات الوغى أو معارك التحرير التي منحت غيرهم شرعية الحضور. لكن هذا التفسير لا يلبث أن يتحول إلى ابتسامة ساخرة، وربما إلى ضحك مرّ، حين يكتشف كثيرون أن المسألة لم تعد دائمًا مرتبطة بتاريخ نضالي أو بكفاءة معرفية، بقدر ما أصبحت مرتبطة باعتبارات أخرى أكثر غموضًا وتعقيدًا، يصعب أحيانًا فهمها أو حتى تسميتها بوضوح.
إن حركات التحرر التي تفقد قدرتها على استيعاب أصحاب الفكر والخبرة والكفاءة، لا تخسر أفرادًا فقط، بل تخسر قدرتها المستقبلية على التجدد والبقاء. لأن أي حركة لا تسمع الأسئلة الصامتة لمن هم خارج القاعة، ستجد نفسها يومًا ما داخل قاعة ممتلئة بالأشخاص… لكنها فارغة من المعنى. وربما تبقى المشكلة الأعمق أن كثيرين لم يعودوا يسألون فقط: لماذا لم نكن هناك؟ بل أصبحوا يتساءلون بخوف أكبر: ماذا يعني أصلًا أن تكون هناك؟ وما قيمة الحضور أصلاً، إذا غابت المعايير التي تمنحه شرعيته ومعناه؟
