رسالة قصيرة تصل بعد أشهر أو سنوات من صمت كامل، فتكفي لإعادة ترتيب مشاعر كان صاحبها يظن أنه طواها. هذا المشهد المتكرر في العلاقات الإنسانية، حين يغيب شخص كان حاضرًا كل يوم بلا تفسير ثم يعاود الظهور وكأن شيئًا لم يحدث، دفع مجلة “سيدتي” إلى استطلاع رأي هدى زين، مدربة رؤية متخصصة في اللياقة العاطفية والتعافي من الجروح النفسية، التي رأت أن هذا النمط أكثر شيوعًا مما يُعتقد، ولا يمكن تفسيره بمعزل عن دوافع نفسية أعمق من مجرد الغياب أو الرغبة في العودة.

وتؤكد زين أن “الاختفاء المفاجئ قد لا يكون دائمًا علامة على الكراهية، تمامًا كما أن العودة ليست بالضرورة علامة على الحب”، مشيرة إلى أن “بعض الأشخاص ينسحبون من العلاقة حين يشعرون بالضغط أو يعجزون عن مواجهة مشاعرهم، لأن الهروب بالنسبة لهم أسهل من الحوار المباشر. وحين تستقر حياتهم، أو حين يشعرون بالوحدة من جديد، يعودون إلى الأماكن والأشخاص الذين منحوهم يوماً إحساساً بالأمان”. وتضيف أن “هناك من لا يبتعد لأن العلاقة انتهت فعليًا في نظره، بل لأنه لم يكن مستعدًا لتحمل مسؤوليتها من الأساس، فيعود حين يحتاج إلى الاحتواء لا حين يصبح قادرًا على تقديمه لطرفه الآخر”.

وتفتح المدربة تفسيرًا آخر للعودة، إذ ترى “أن العودة قد تكون أحيانًا مجرد محاولة من العقل لإغلاق ملف عاطفي لم يغلق بطريقة صحية، وتستند إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى إنهاء القصص غير المكتملة. لذلك، قد يعود الشخص بحثًا عن إجابة أو اعتذار، أو حتى مجرد التأكد من أن الطرف الآخر ما زال ينتظره”.

أما المدخل الأهم للتعامل مع الموقف، بحسب زين، فهو تحويل السؤال من الطرف الآخر إلى الذات، فهي تقول إن “السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس “لماذا عاد؟”، بل “لماذا أثارت عودته كل هذه المشاعر بداخلي؟”، موضحة أنه “إذا كانت رسالة واحدة قادرة على إرباكنا، فهذا لا يعني بالضرورة أننا ما زلنا نحبه، بل ربما يعني أن جرحًا قديمًا لم يلتئم بالكامل، فالحدث نفسه لا يؤلم، وإنما يوقظ ألماً لم يُعالَج من قبل”.

وتلفت زين إلى تنوع الأدوار التي يلعبها العابرون في حياة الإنسان، فـ”الأشخاص الذين يدخلون حياتنا ويغادرونها يحملون أدوارًا مختلفة، فبعضهم يأتي ليعلمنا معنى الحب، وبعضهم ليكشف لنا حدودنا، وبعضهم الآخر ليجبرنا على مواجهة مخاوفنا من الهجر أو الرفض أو فقدان الأمان”. وتنصح “بعدم اعتبار عودة أي شخص دليلًا كافيًا على أن العلاقة يجب أن تبدأ من جديد، مؤكدة أن ليس كل باب يُطرق مرة أخرى يستحق أن يُفتح”.

وتختم بأن “النضج العاطفي لا يعني منع أي شخص من العودة، بل يعني امتلاك القدرة على التمييز بين من يعود ليبني علاقة صحية، ومن يعود فقط لأنه وجدنا متاحين دائماً. وتؤكد أن بعض الأشخاص يعودون فعلاً ليكملوا الطريق، لكن كثيرين غيرهم يعودون فقط ليختبروا إن كنا ما زلنا الأشخاص أنفسهم”. وترى أن أجمل ما يمكن أن يحدث لأي إنسان “ليس عودة من رحل، بل اكتشافه أنه لم يعد بحاجة إلى تلك العودة”.

شاركها.