تطرح الجيولوجية الروسية آنا كازاتشكوفا، رئيسة قسم النمذجة الجيولوجية بمعهد كاربينسكي، سؤالًا يهدم أحد أشهر المعتقدات الخاطئة حول منشأ النفط: إذا كان النفط وقودًا أحفوريًا تشكّل من بقايا كائنات حية قديمة، فلماذا لا يكون من الديناصورات؟ الإجابة، كما توضحها، تكشف عن هوة زمنية وجغرافية لا يمكن تجاوزها.
تستند النظرية العلمية الموثوقة لأصل النفط إلى أن هذا الوقود الأحفوري نشأ من بقايا العوالق النباتية والحيوانية البحرية الدقيقة، وليس من الكائنات الكبيرة كالديناصورات. والأدلة الجيولوجية على ذلك قوية: مواقع تكوّن النفط وأعمار الرواسب التي يُستخرج منها تؤكد هذا المنشأ البحري. فقد عاش الديناصور على الأرض منذ ملايين السنين، لكن تشكّل النفط يعود إلى عشرات أو مئات الملايين، بل إلى مليارات السنين. وبما أن الديناصورات عاشت على اليابسة وليس في عرض المحيطات والبحار، فإن بقاياها لم تترسب أبدًا في الرواسب المحيطية، وهي المخازن الأساسية للنفط.
تحدد كازاتشكوفا المفهوم الخاطئ الشائع بدقة: يعتقد الناس أن النفط وقود أحفوري تشكّل خلال عصر الديناصورات، وأن الأحفورة بالضرورة ديناصور، وبالتالي فإن النفط يأتي من الديناصورات. لكن هذا السلسال المنطقي معيب في كل حلقة من حلقاته.
وتشير الباحثة إلى أن شركة النفط الأمريكية “Sinclair Oil” هي من غذّت هذه الأسطورة وروّجتها على نطاق واسع. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، موّلت الشركة حفريات أثرية للديناصورات وأطلقت حملة تسويقية ضخمة، معلنة أن النفط الخام المستخرج في بنسلفانيا يأتي من صخور تعود إلى حقبة الحياة الوسطى التي تزامنت مع عصر الديناصورات. هكذا رسخت خرافة سهلة التذكر في ذهن الجمهور.
لكن مع تطور صناعة النفط وتقدم البحث الجيولوجي، بدأت الخرافة تتصدع. بدأ العثور على النفط في أعماق كبيرة جدًا تحت سطح الأرض، في طبقات جيولوجية تنتمي إلى حقب مختلفة تماما، بعضها سبق وجود الديناصورات بملايين السنين. فالديناصورات، وإن تركت بصمتها على التاريخ الجيولوجي للأرض، فإنها لم تكن مصدر “الذهب الأسود” الذي يدير العالم الحديث. هذا الإرث ينتمي إلى كائنات دقيقة لم نرها قط.
وبعيدًا عن فضح الأساطير، يواجه الباحثون تحديات عملية في استخراج النفط من المكامن الصعبة. استخراج النفط والغاز من الصخور الكربوناتية عملية معقدة، لأن هذه الصخور منخفضة النفاذية، ما يحبس الهيدروكربونات في مسامات وشقوق معزولة صعبة الوصول إليها.
طوّر علماء من جامعة قازان الفيدرالية، بالتعاون مع شركتي RITEKSamaraNafta و LukoilEngineering، محفزات جديدة تُحسّن الاستخراج. تتألف هذه المحفزات من عناصر كالحديد والنيكل والكوبالت والكروم والنحاس، وتزيد من القدرة على استخراج النفط عالي اللزوجة الذي يصعب تحريكه في التكوينات الصخرية الضيقة.
من جهة أخرى، ابتكر جيولوجيون من جامعة تيومين الروسية طريقة مختلفة تماما لاستخلاص النفط من الآبار التي بدأ إنتاجها يتناقص أو نضبت تماما. تستخدم الطريقة محلول دقائق نانو من مادة الغرافين المسطح، الذي يعمل على دفع السائل النفطي عند الحد الفاصل بين النفط والماء، مما يسهّل استخراجه.
يؤكد الجيولوجي الروسي فلاديمير بوليفانوف، في تصريح يعكس تفاؤلًا بشأن موارد الأرض، أن احتياطي النفط والغاز في العالم “ضخم ومتجدد ولن ينضب”. ويقول: “لا تصدقوا من يقول لكم خلاف ذلك وتوقفوا حتى عن مصافحته. النفط لا نهاية له”، معيدًا التأكيد على وجهة نظر تتحدى الحديث الشائع عن نضوب الموارد النفطية العالمية.
