لندن/سما أطلقت منصة نتفليكس بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» مسلسلًا درامًا قصيرًا بعنوان «The Bombing of Pan Am 103» (تفجير بان آم 103)، يعيد فتح الملف التاريخي لأحد أشهر الحوادث الجنائية والسياسية في القرن العشرين، إذ يسلط الضوء على قصة الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر الذي أُلصقت به تهمًا أمنية لسنوات قبل أن تثبت التحقيقات براءته.
في الحادي والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 1988، كان جعفر، وهو شاب في العشرين من عمره يدرس هندسة العمارة، على متن الرحلة 103 التابعة لشركة بان أميركان المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن. تفجرت الطائرة من نوع بوينغ 747 فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية في مساء ذلك اليوم الشتوي، مسفرة عن مقتل 270 شخصًا، وتحويل حياة الشاب الذي وُلد في البقاع اللبنانية من حلم هندسي إلى محور لغز استخباراتي دولي امتد من بيروت إلى واشنطن.
المسلسل، الذي يضم نجومًا مثل باتريك جيه آدامز وبيتر مولان، لا يقتصر على رصد الجوانب السياسية للمحاكمة الدولية، بل يغوص في الأثر الإنساني على الضحايا وأسرهم والتحقيقات الأولية. وينطلق من السياق الذي جعل جعفر، كأحد الركاب العرب الوحيدين على متن الطائرة، في موقع اشتباه فوري من المحققين والصحافة الغربية بسبب أصوله اللبنانية وانطلاق رحلته من مطار فرانكفورت.
كانت الفرضية الأولى للمحققين تشير إلى أن جعفر ربما كان حاملًا مغفلًا لقنبلة وُضعت في أمتعته دون علمه من قبل منظمات فلسطينية أو إيرانية، ما أحاط اسمه بهالة من الاشتباه والتهم الأمنية التي لاحقته في وسائل الإعلام العالمية لسنوات، مضيفة كابوسًا ثانيًا إلى فاجعة فقدانه بالنسبة لعائلته في ديترويت.
غير أن هذا الاشتباه البدائي الذي ركز على الهوية لم يلبث أن تطور إلى نظرية أعمق تبنتها فرق دفاع قانونية وصحافيون استقصائيون لسنوات. زعمت هذه النظرية أن جعفر، الذي كان ينتقل بين لبنان وألمانيا، تم استغلاله في شبكة لتهريب المخدرات كانت تحظى بحماية من وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) وإدارة مكافحة المخدرات (DEA) كجزء من عملية سرية لتأمين إطلاق سراح الرهائن الأميركيين المحتجزين في بيروت آنذاك.
وبحسب هذا السيناريو، فإن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة اخترقت قناة تهريب المخدرات الآمنة في مطار فرانكفورت، واستبدلت بحقيبة المخدرات الخاصة بجعفر حقيبة راديو مفخخة بمادة سمتكس، لتنتقل عبر طائرة تغذية إلى مطار هيثرو في لندن وتوضع في عنبر شحن الطائرة دون تفتيش. وترافق اسم جعفر في هذه الفرضيات مع شخصيات أخرى أثارت حيرة المحققين، منها حسن الساعد، شخصية محورية ارتبطت بأنشطة أمنية وتجارية مشبوهة في ألمانيا الغربية ومالطا، وبخاصة من خلال صلتها بشركة الاتصالات السويسرية «ميبو» التي صنعت أجهزة التوقيت المستخدمة في التفجير.
لكن الأدلة الجنائية القاطعة التي قدمتها المحكمة الاسكوتلندية الخاصة برئاسة القاضي لورد سذرلاند وضعت حدًا لكل هذه الفرضيات. أثبتت سجلات السفر الرسمية أن جعفر لم يشحن أي أمتعة في عنبر الشحن السفلي للطائرة، بل اقتصر على حمل حقيبتين صغيرتين كأمتعة يدوية صعد بهما إلى مقصورة الركاب، من بينهما حقيبة قماشية أسطوانية.
وعقب الانفجار، عثر المحققون على هاتين الحقيبتين شبه سليمتين وبحالة جيدة في تلال منطقة لانغهولم على بُعد نحو 13 كيلومترًا شرق لوكربي، وكانتا تحتويان على بطاقته الشخصية ومحفظته وبعض الأوراق النقدية. وأكدت التقارير الفنية خلو الأمتعة اليدوية تمامًا من أي آثار بارود أو حروق أو تفحم داخلي، وهو الدليل الفني القاطع على براءته، إذ أثبت أن القنبلة فُجرت في حاوية شحن رئيسية بعيدًا عن مقعده.
بناء على هذه الأدلة الدامغة، أعلنت المحكمة رسميًا براءة جعفر من أي ضلوع أو استغلال في العملية، وثبتت الحكم على ضابط الاستخبارات الليبي عبد الباسط المقرحي، مؤكدة أن الحقيبة المفخخة انطلقت من مالطا ولم تمر عبر قناة جعفر في فرانكفورت. ورغم هذه التبرئة القضائية الشاملة، بقي اسم خالد جعفر راسخًا في الأرشيف السياسي الدولي، شاهدًا على حقبة من الصراع المرير الذي راح ضحيته أبرياء تحت رماد لوكربي.
