قبل أن تبدأ الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، بدأت معركة أخرى حول مشاركة القوائم العربية فيها. فقد قررت لجنة الانتخابات المركزية شطب «القائمة المشتركة» و«القائمة العربية الموحدة»، لكن المحكمة العليا ألغت القرار وسمحت للقائمتين بالمشاركة في انتخابات 27 أكتوبر، فيما اتخذ ملف سامي أبو شحادة مسارًا منفصلًا انتهى بانسحابه من الترشح بعد أن أبلغته المحكمة بأن غالبية القضاة تؤيد شطبه.
لكن أهمية هذه المعركة لا تتوقف عند سؤال المشاركة. فالقوائم العربية تدخل الانتخابات في لحظة سياسية مختلفة، تتداخل فيها حسابات التمثيل العربي مع أزمة تشكيل الحكومة ومع مستقبل الخريطة السياسية الإسرائيلية نفسها.
لذلك فإن السؤال ليس فقط: كم مقعدًا تستطيع القوائم العربية أن تحصل عليه؟ وإنما: ماذا تستطيع أن تفعل بهذه المقاعد؟ وما حجم تأثيرها في نتيجة الانتخابات وتوزيع المقاعد؟ والأهم، إلى أي مدى يمكن أن تمتد هذه القوة من التأثير في تركيب الكنيست إلى التأثير في إمكانية تشكيل الحكومة؟
فهذه المرة قد لا يكون وزن الصوت العربي محصورًا في عدد المقاعد التي تفوز بها القوائم العربية، بل في الطريقة التي يمكن أن تعيد بها هذه الأصوات ترتيب الحسابات الانتخابية والسياسية بعد إغلاق صناديق الاقتراع، وفي الموقع الذي يمكن أن تحتله هذه القوة داخل معادلة تشكيل الحكومة، حتى إذا بقيت خارجها.
*المعركة تبدأ من صناديق الاقتراع*
أول ما تستطيع القوائم العربية التأثير فيه هو حجم المشاركة العربية. فالمسألة ليست فقط في زيادة عدد المقاعد العربية، وإنما في تحويل أكبر قدر ممكن من الأصوات العربية إلى تمثيل برلماني.
النظام الانتخابي الإسرائيلي يجعل لهذه المسألة أثرًا يتجاوز القوائم العربية. فالكنيست تضم 120 مقعدًا، والقائمة تحتاج إلى 3.25% من الأصوات الصحيحة لتدخل في توزيع المقاعد. وبعد تحديد القوائم التي تجاوزت نسبة الحسم، تدخل أصواتها في عملية توزيع المقاعد، بينما تُستبعد أصوات القوائم التي لم تتجاوزها. ولذلك فإن تغيرات محدودة في حجم التصويت أو في عدد القوائم التي تتجاوز العتبة يمكن أن تنعكس على توزيع المقاعد بين جميع القوائم المؤهلة.
وهنا تظهر أهمية حجم التصويت العربي. فإذا ذهبت الزيادة في الأصوات إلى قوائم عربية تتجاوز نسبة الحسم، فإن هذه الأصوات تدخل في قاعدة توزيع المقاعد. وفي المقابل، فإن ارتفاع مجموع الأصوات الصحيحة يرفع العدد المطلق المطلوب لعبور نسبة الـ3.25%.
وهذا قد يضيّق هامش الأمان أمام القوائم الصغيرة التي تتحرك قرب نسبة الحسم، من دون أن يعني ذلك أن كل زيادة في التصويت العربي ستؤدي تلقائيًا إلى خسارة قائمة أخرى لمقعد.
*حين يؤثر الصوت العربي في مقاعد الآخرين*
إذا أخفقت قائمة صغيرة في تجاوز نسبة الحسم، فإن أصواتها لا تدخل في توزيع المقاعد. وبالتالي يمكن لفارق محدود في نسبة الأصوات أن يعيد توزيع مقاعد بين القوائم التي نجحت في العبور.
وهذا مهم بصورة خاصة بالنسبة إلى القوائم اليمينية الصغيرة. فقد حذّر نتنياهو ناخبي معسكره من التصويت لأحزاب صغيرة قد تفشل في تجاوز العتبة، محذرًا من أن تشتت أصوات اليمين قد يضر بحسابات معسكره.
وبالتالي، فإن ارتفاع المشاركة العربية، إذا انعكس في زيادة الأصوات التي تدخل في توزيع المقاعد، يمكن أن يضيّق هامش الأمان أمام بعض هذه القوائم. وإذا أخفقت إحداها في العبور، فإن معسكر نتنياهو قد يخسر مقاعد كان يمكن أن تدخل في حساب ائتلافه.
*إضعاف نتنياهو لا يعني تمكين إيزنكوت*
فهنا تظهر المفارقة السياسية. فقد أعلن غادي إيزنكوت أن القائمة الموحدة «رعام» لن تكون جزءًا من حكومة يقودها، ما يجعل زيادة الوزن البرلماني للقوائم العربية مسألة مختلفة عن انتقال هذا الوزن إلى معسكره.
لذلك يمكن أن يؤدي ارتفاع التصويت العربي إلى تضييق قدرة نتنياهو على الوصول إلى الـ61، من دون أن يمنح إيزنكوت العدد نفسه لتشكيل حكومة بديلة.
بل إن زيادة المشاركة العربية قد تقلل أيضًا من نسبة الأصوات العربية التي تذهب إلى أحزاب يهودية. وهكذا تصبح القوائم العربية قادرة على التأثير في ميزان القوى من موقع مختلف: ليست بالضرورة جزءًا من الحكومة، لكنها قد تؤثر في إمكانية تشكيلها.
*ماذا بعد الـ61؟*
إذا انتهت الانتخابات من دون امتلاك أي معسكر العدد الكافي لتشكيل حكومة، فستظهر ثلاثة مسارات رئيسية.
الأول: أن يحاول نتنياهو إعادة بناء ائتلاف يميني، وهو ما يصبح أكثر صعوبة إذا خسرت بعض القوائم الصغيرة مقاعدها بسبب عدم تجاوز نسبة الحسم.
الثاني: الذهاب إلى حكومة وحدة بين أحزاب صهيونية من المعسكرين. وهذا خيار وارد، لكنه يصطدم بخلافات عميقة حول ملفات مثل قانون التجنيد، ولجنة التحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر، والإصلاح القضائي، فضلًا عن أزمة الثقة بين الأطراف.
أما الثالث، فهو الدخول في دوامة انتخابات متكررة من دون القدرة على تشكيل حكومة، كما حدث بين عامي 2019 و2021، عندما أجريت أربع انتخابات خلال أقل من عامين قبل أن تنجح المنظومة السياسية في تشكيل حكومة.
وفي حال تكرار هذا المأزق، قد يبدأ النقاش داخل المنظومة السياسية حول تغيير قواعد اللعبة نفسها، بما في ذلك إعادة النظر في النظام الانتخابي أو القواعد التي تحدد قدرة القوائم العربية على التأثير في تشكيل الحكومات.
*عندما يؤدي الضغط إلى عكس النتيجة*
ففي عام 2014 رُفعت نسبة الحسم من 2% إلى 3.25%، ما جعل عبور القوائم الصغيرة، ومنها العربية، أكثر صعوبة. وكان أحد ردود الفعل تشكيل «القائمة المشتركة» من أربعة مكونات سياسية، التي خاضت انتخابات 2015 وحصلت على 13 مقعدًا.
لا يعني ذلك أن التاريخ سيتكرر بالضرورة، لكنه يكشف مفارقة مهمة: محاولة وضع الحواجز أمام التمثيل العربي يمكن أن تدفع، في ظروف معينة، إلى تركيز الصوت العربي بدل تفكيكه.
وفي الانتخابات الحالية، يمكن أن يكون لمحاولات الإقصاء أثر مشابه من زاوية مختلفة. فإذا تحولت المشاركة العربية إلى معركة على جدوى الصوت نفسه، فقد تدفع محاولات إضعاف التمثيل إلى زيادة المشاركة والتركيز بدل العزوف والتشتت.
والأهم أن تجربة 2021 أظهرت أن القوة العربية يمكن أن تنتقل من موقع التأثير البرلماني إلى موقع الشريك في تشكيل الحكومة. فقد انضمت «رعام» إلى حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد، التي قامت على أغلبية ضيقة من 61 عضوًا في الكنيست، لتصبح أول حزب عربي ذي أغلبية عربية يدخل ائتلافًا حكوميًا إسرائيليًا منذ عقود.
أي أن المسألة ليست نظرية بالكامل. فقد سبق للنظام السياسي الإسرائيلي، تحت ضغط الحاجة إلى تشكيل حكومة، أن تعامل مع قوة سياسية عربية بوصفها جزءًا من معادلة الحكم، لا مجرد قوة تصويتية داخل الكنيست.
وهنا تنتقل المسألة من انتخابات واحدة إلى سؤال أعمق: إلى أي مدى يستطيع النظام السياسي الإسرائيلي الحفاظ على استقراره الحكومي إذا أصبحت قوة انتخابية عربية وازنة مؤثرة في نتائج تشكيل الحكومة، من دون أن تكون طرفًا في تشكيلها؟
*الحصان الأسود*
إن اختزال القوائم العربية في عدد المقاعد التي ستحصل عليها سيكون قراءة ناقصة. فقد يكون وزنها الحقيقي في قدرتها على تغيير توزيع المقاعد، والتأثير في القوائم القريبة من نسبة الحسم، وتضييق هامش تشكيل الحكومة.
وهنا تكمن مفارقة «الحصان الأسود»: قد لا تكون القوائم العربية جزءًا من الحكومة المقبلة، لكنها قد تكون من الأطراف التي تحدد إن كان بالإمكان تشكيلها أصلًا. وعندها ينتقل النقاش من عدد المقاعد التي ستحصل عليها إلى سؤال أعمق: كيف سيتعامل النظام السياسي الإسرائيلي مع قوة انتخابية وازنة تصبح مؤثرة في تشكيل الحكومة؟ هل سيدفعه وزنها البرلماني إلى التعامل معها كشريك ائتلافي، أم سيصر على إبقائها خارج معادلة الحكم، ولو كان ثمن ذلك إطالة أزمة تشكيل الحكومة وإبقاء النظام السياسي أمام مأزق الاستقرار؟
