حالة اللا حرب ولا اتفاق تنتج في المجتمع الامريكي اسئلة اكثر من الاجوبة التى يتلقاها وهو يعيش اكبر ازمة غلاء في التاريخ الامريكي وسيفجر ردة فعله في صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس والتى ربما تكون الاهم في تاريخ امريكا حيث انها ستكون نقطة فصل في نهاية عهد ترامب والترامبية او منحها قوة وجعل الترامبية نهج الساسة في امريكا و ترامب يُدرك ذلك جيداً .
وهو فعلاً مرتبك امام ايران التى تجره الي “لعبة ردود أفعال” (واحدة بواحدة / tit for tat)، ايران تُقلد بالضبط ما فعلته التنظيمات الفلسطينية وحزب الله في السنوات التى سبقت السابع من اكتوبر مع اسرائيل ، دوما كان هناك هجوم مدروس ومحدود ثم رد فعل اسرائيلي محدود ثم مفاوضات ثم وقف اطلاق نار ثم وضع كانت كل مرة تُطلق النار تُقدم اسرائيل تنازلات .
هذا ما تفعله ايران مع ترامب بالضبط فهي تدفعه وهو الطرف الأقوى تكنولوجيا وعسكريا الي تبني الجولات التى تفرضها وهي بالاصل الطرف الاضعف ، تلجأ الي الاستهداف، رد متناسب ومحدود ، ضبط، ثم عودة إلى المفاوضات ، إيران لا تطمح الى هزيمة امريكا ، هي تحول امريكا الي خصم موازي في القوة وردة الفعل .
باختصار هي تجعل امريكا تقيس ردود افعالها وتناسبها بدلاً من املاء قواعد اللعبة وهذا يعني ببساطة ان امريكا تلعب في ملعب ايران كقوة عادية لا عُظمى ، و بمجرد أن تبدأ قوة عظمى كامريكا في “قياس” الردود، يبدأ الطرف الآخر في معرفة المقاس و ما هو حجم الضرر الذي يمكن إلحاقه به دون تكبّد خسائر فادحة؟ كم طائرة مسيرة يمكن إطلاقها دون التسبب في حرب شاملة؟ كم قاعدة يمكن تهديدها قبل أن تدفع ترامب الي الجنون الكامل .
ايران ليست بحاجة للانتصار على أمريكا؛ يكفيها جعل أمريكا تحتاج إلى الاتفاق أسرع مما هي تحتاج هي إليه وهذا بحد ذاته انتصار في التفاوض .
ترامب ونتنياهو يدركون فخ الجولات الايراني ، وقد اتفقا على استخدام التناسب والمحدودية في الرد كأداة وليس استراتيجية ، اسرائيل بردها المنفرد وامريكا بردها المنفرد كلاهما لا يعيش حالة القطيعة او العشوائية كما يعتقد البعض هم في ازمة حقيقية نعم لكن تصرفاتهم تقول انهم يعملون على تفكيك نمط الجولات الامريكية بردود تمنح مُهل للرضوخ او التعرض للقصف الاخر ، كل رد امريكي الان هو لتغير المعادلة والتخلص من كونه جزء يندمج فيها .
الحسم الشامل باستخدام كامل قوة الجيش الامريكي له ثمن فهو لن يتوقف عند حدود ايران وسيشعل حرب عالمية وعدم الحسم يُشجع كلاً من اسرائيل وايران على التوسع في اراضي الغير لترسيخ مفهوم الانتصار ، فكما تفعل اسرائيل في الاراضي العربية توسعت ايران في المياه الاقليمية وتفرض شبه سيطرة عليها وهي عمليا تسيطر ببرود على باب المندب من خلال الحوثي وقريبا ستجر الاخرين الي ملعبها حيث تريد عندما تحتل اراضي للغير فمفهوم النصر اصبح بتوسع الخارطة .
ما يحدث خطر كبير وكي يتفادي الجميع توسعه عالميا سيُحاط كما يفعل رجال الاطفاء بنيران الحريق عندما يشعلون حريقا اخر حول الحريق الاصلي لامتصاص الاوكسجين واخماد الحريق الاصلي ، وتذكروها ستسعي كلاً من اسرائيل وايران الي توسيع رقعة الصراع في الاقليم ليشمل دولا أُخرى .
ايران بشخصية كوريا الشمالية التى تتقمصها تريد ما هو اكثر من الاتفاق تريد اغلاق الملف باكمله وترامب يريد فقط ورقة مرور لشهر نوفمبر المقبل واسرائيل تعلم ان فرصتها مع ايران ان توقفت لن تتكرر وستصل ايران بعدها حيث تريد ، لذا المشهد يخرج من ادارة الازمة نحو حسمها .
المشهد يغادر ادارة الازمة نحو الحسم
لؤي ديب