استيقظ ملايين المصريين قبل فجر الاثنين على هزة أرضية قوية أعادت إلى الأذهان ذكريات زلزال 12 أكتوبر 1992، الذي يُعد أحد أكثر الزلازل تأثيرًا في تاريخ مصر الحديث. 

ورغم أن الهزة الأخيرة لم تسفر عن خسائر بشرية واسعة، فإن امتداد الشعور بها في القاهرة وعدد كبير من المحافظات، ووصولها إلى دول مجاورة، أثار تساؤلات حول أسباب قوتها، ومدى خطورتها، واحتمالات تكرارها.

وبحسب بيانات المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، سجلت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل هزة أرضية بقوة 5.6 درجة على مقياس ريختر، في تمام الساعة الثالثة فجرًا تقريبًا، وكان مركزها على بعد 38 كيلومترًا شمال شرق مدينة السويس، بينما قدّرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية قوتها بـ5.3 درجة وعلى عمق 10 كيلومترات.

لماذا شعر بها هذا العدد الكبير من المواطنين؟

ساهم العمق الضحل للهزة الأرضية في انتقال الموجات الزلزالية إلى سطح الأرض بصورة أكبر، وهو ما أدى إلى شعور المواطنين بها في القاهرة الكبرى والدلتا ومدن القناة وسيناء، كما امتد تأثيرها إلى عدد من الدول المجاورة، من بينها الأردن ولبنان وفلسطين وقبرص.

كما تلقت الجهات الدولية المختصة مئات البلاغات من المواطنين الذين شعروا بالهزة، في حين تابعت وسائل إعلام عالمية الحدث باعتباره أحد أبرز النشاطات الزلزالية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة.

اختلاف في تقدير القوة

ورغم اتفاق جميع الجهات على وقوع الزلزال في منطقة خليج السويس، فإن تقديرات قوته اختلفت بصورة طفيفة، إذ أعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية أن شدته بلغت 5.6 درجة، بينما سجلته هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بقوة 5.3 درجة، وقدره المركز الألماني لأبحاث علوم الأرض بـ5.4 درجة، فيما أعلن المركز الأوروبي المتوسطي للزلازل تقديرًا قريبًا من ذلك.

ويرجع هذا الاختلاف إلى اختلاف طرق القياس وتحليل البيانات الزلزالية، وهو أمر معتاد في الساعات الأولى بعد وقوع أي هزة أرضية، قبل الانتهاء من المراجعات النهائية.

لماذا تُعد منطقة خليج السويس نشطة زلزاليًا؟

تُعد منطقة خليج السويس من أكثر المناطق المصرية نشاطًا من الناحية الزلزالية، نتيجة وجود عدد من الصدوع الجيولوجية النشطة المرتبطة بحركة الصفائح التكتونية.

ويؤدي تحرك هذه الصدوع إلى تراكم الضغوط داخل الصخور، ثم تحررها بشكل مفاجئ في صورة موجات زلزالية يشعر بها السكان بدرجات متفاوتة، وهو ما يفسر تكرار تسجيل هزات أرضية في المنطقة على مدار السنوات الماضية.

أول الأضرار بعد الزلزال

ورغم اتساع نطاق الشعور بالهزة، فإن الأضرار جاءت محدودة مقارنة بقوة الزلزال.

ففي القاهرة، أعلنت المحافظة إجلاء ثلاث أسر من عقار بمنطقة روض الفرج بعد تعرضه لسقوط جزئي، دون وقوع إصابات أو وفيات، بينما شهدت محافظة السويس سقوط جزء خرساني من سقف أحد المنازل بحي الأربعين، دون تسجيل خسائر بشرية.

كما أعلنت وزارة الصحة رفع درجة الاستعداد في جميع المستشفيات، مؤكدة أن البلاغات التي تلقتها أسفرت عن تسجيل إصابة واحدة فقط، حصلت على الرعاية الطبية اللازمة وغادرت المستشفى بعد تحسن حالتها.

هل أعاد زلزال السويس ذكريات كارثة 1992؟

أعاد الزلزال إلى ذاكرة المصريين مشاهد زلزال 12 أكتوبر 1992، الذي بلغت قوته نحو 5.8 درجة على مقياس ريختر، ورغم أن قوته لم تكن بعيدة كثيرًا عن الهزة الأخيرة، فإنه تسبب في خسائر بشرية ومادية كبيرة.

وأسفر زلزال 1992 عن وفاة 545 شخصًا وإصابة أكثر من 6500 آخرين، إلى جانب انهيار مئات المباني وتضرر آلاف العقارات، وتشريد عشرات الآلاف من السكان، خاصة في القاهرة والجيزة.

ويرجع حجم الخسائر آنذاك إلى ضعف بعض المباني القديمة، والإضافات المخالفة، وعدم الالتزام الكامل بمعايير البناء المقاومة للزلازل، أكثر من ارتباطه بقوة الزلزال وحدها.

هل الزلازل في مصر أمر جديد؟

تشير سجلات الرصد الزلزالي إلى أن مصر تشهد بصورة دورية نشاطًا زلزاليًا، خاصة في مناطق البحر الأحمر وخليج السويس وخليج العقبة، إلا أن أغلب هذه الهزات تكون ضعيفة أو تقع في مناطق بعيدة عن التجمعات السكانية، لذلك لا يشعر بها المواطنون.

وخلال السنوات العشر الأخيرة سجلت الشبكة القومية عشرات الهزات التي تجاوزت قوتها أربع درجات، فيما شهد شهر مايو 2025 هزة أرضية قوية في البحر المتوسط شعر بها سكان القاهرة رغم وقوع مركزها على مسافة بعيدة.

هل هناك داعٍ للقلق؟

حتى الآن، تؤكد البيانات الرسمية عدم وجود مؤشرات على وقوع أضرار واسعة أو خسائر كبيرة نتيجة زلزال السويس، كما تواصل الجهات المختصة متابعة أي هزات ارتدادية محتملة، مع استمرار أعمال الفحص الميداني للعقارات والمنشآت.

ومن جانبه، قال الدكتور جاد القاضي، رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية الأسبق واستشاري الرصد الزلزالي، في تصريحات لـ””، إن مركز الزلزال الذي شعر به المواطنون يقع في منطقة النشاط التكتوني بشرق البحر المتوسط، بالقرب من القوس الهيليني، وهي من المناطق المعروفة بنشاطها الزلزالي نتيجة حركة الصفائح التكتونية.

وأوضح أن عمق الزلزال لعب دورًا رئيسيًا في اتساع نطاق الشعور به، إذ إن الهزات التي تقع على أعماق متوسطة أو كبيرة تنتقل موجاتها لمسافات واسعة، ما يفسر إحساس المواطنين بها في عدد كبير من المحافظات، فضلًا عن امتداد تأثيرها إلى بعض الدول المجاورة.

وأضاف القاضي أن المنطقة تشهد نشاطًا جيولوجيًا مستمرًا بسبب حركة الصفيحتين الإفريقية والأوراسية، وهو ما يجعل تسجيل هزات أرضية بها أمرًا متوقعًا. 

وحول إمكانية حدوث زلازل ارتدادية أخرى خلال الساعات القادمة، طمأن المواطنين، مؤكدًا أن الشبكة القومية لرصد الزلازل تتابع أي هزات ارتدادية لحظة بلحظة، وأن شدتها عادة ما تتراجع تدريجيًا مع تفريغ الطاقة المتبقية داخل البؤرة الزلزالية، داعيًا إلى عدم الانسياق وراء الشائعات أو المبالغة في تداول الأخبار المثيرة للقلق.

شاركها.