لم تعد انتخابات رؤساء اتحادات كرة القدم تتوقف على السجل التاريخي للمرشح في الملاعب، بل أصبحت الأنظار تتجه نحو البنية الإدارية للمجلس وقدرته على جمع خبراء من مختلف التخصصات، بما يشبه اختيار مجلس إدارة لشركة عملاقة.

يعكس هذا التحول حقيقة أن معيار الجودة الإدارية في الاتحادات الحديثة لا يقتصر على شخصية الرئيس، بل على القدرة على توزيع المسؤوليات بين متخصصين في المالية والقانون والحوكمة والاستثمار والتطوير والشؤون الفنية وكرة القدم النسائية.

يمثل الاتحاد الإنجليزي نموذجاً واضحاً لهذا الاتجاه. تتولى ديبي هيويت الرئاسة بخلفية في إدارة الشركات والحوكمة، فيما يدير مارك بولينغهام الجانب التنفيذي بخبرة في الاستشارات المؤسسية. يضم المجلس أيضاً ممثلين عن كرة القدم الاحترافية والهواة، إلى جانب خبراء قانونيين وماليين ولاعبين سابقين.

تسير فرنسا على نهج متقارب؛ يقود فيليب ديالو الاتحاد بخبرة قانونية وإدارية عميقة، ويضم المجلس التنفيذي رؤساء أندية وروابط وممثلات دوليات سابقات ومتخصصين في الموارد البشرية والطب الرياضي والتحكيم.

أما الاتحاد الألماني، فيمثل نموذجاً مؤسسياً متطوراً تحت قيادة بيرند نويندورف، الذي جاء من خلفية إدارة عامة وسياسية. يشمل المجلس ممثلين لاتحادات الولايات والدوري الألماني وكرة القدم النسائية والاستراتيجية والقانون، بالإضافة إلى رؤساء نوادٍ وأسطورات سابقة.

في إسبانيا، يعتمد البناء على تمثيل مختلف أقاليم اللعبة تحت قيادة رافائيل لوزان، بمشاركة رئيس الدوري الإسباني وممثلين عن اللاعبين السابقين والمتخصصين في الاقتصاد والقانون وكرة القدم النسائية.

اتجه الاتحاد الإيطالي أيضاً نحو الإدارة المؤسسية بعد انتخاب جيوفاني مالاغو رئيساً، مستفيداً من خبرته في قيادة اللجنة الأولمبية الإيطالية. تضم اللجنة الرئاسية ممثلين عن دوري الدرجة الأولى والثالثة ورابطة اللاعبين وإداريين مخضرمين.

لا يقتصر هذا التحول على أوروبا. في اليابان، يفصل الاتحاد بوضوح بين القرار الإداري والفني؛ يتولى تسونياسو مياموتو الإدارة العامة، فيما يشرف المدرب تاكيشي أوكادا على الجانب الفني، بمشاركة مديرين تنفيذيين وخبراء حوكمة. وفي كوريا الجنوبية، يجمع المجلس بين متخصصين ميدانيين وإداريين محترفين في هيكل متعادل.

تتفق هذه النماذج المتنوعة على مبدأ أساسي: لا يقتصر مجلس الإدارة الحديث على الرئيس ونائبه وعدد من الإداريين، بل يتسع ليشمل متخصصين في القانون والاقتصاد والحوكمة والاستثمار والتطوير وممثلات كرة القدم النسائية وأصحاب الخبرة الفنية، بما يضمن تغطية كاملة لكل ملف برئاسة مختص مؤهل.

تظهر هذه الفلسفة حاضرة في القوائم المتنافسة على رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم، وتبرز قائمتا بدر الرزيزاء وحاتم خيمي في هذا الصدد.

اعتمدت قائمة الرزيزاء على توزيع واضح للتخصصات: لؤي مشعبي نائباً للرئيس، فهد المنصور في الاقتصاديات والتخطيط والالتزام، نيكولاس كوارد في حوكمة كرة القدم وإدارة المسابقات، لمياء بن بهيان لكرة القدم النسائية، سلمان السديري للقانون، عمر الجريسي للاستثمار والتطوير التجاري، ثامر السعدون للتخطيط الاستراتيجي والحوكمة، وجيرارد رودي لتطوير المواهب والفئات السنية.

اعتمدت قائمة خيمي على حضور أكاديمي وتخصصي بارز: الدكتورة فاطمة المؤيد في القيادة والإدارة الرياضية، محمد الخليفة في المنشآت والمشاريع، عبد العزيز الرويلي في القانون، الدكتور حسن خربوش في التخطيط الاستراتيجي، الدكتور عبد الله النعيم في الإدارة المالية ومخاطرها، الدكتور محمد القحطاني في التسويق والاستثمار، الحسن اليامي في التطوير، مع عادل البطي أميناً عاماً يستفيد من خبرته الإدارية الطويلة.

تتفق القائمتان على الابتعاد عن نموذج بناء المجلس على لاعبين سابقين وإداريين تقليديين وحسب، والتوجه نحو تنويع الخبرات بما يواكب التطورات العالمية في إدارة كرة القدم.

مع اقتراب السعودية من استضافة كأس العالم 2034، تزداد أهمية مجلس إدارة متعدد التخصصات. ستتسع مسؤوليات الاتحاد لتشمل الحوكمة والاستثمار والعقود التجارية والعلاقات الدولية والتحول الرقمي وكرة القدم النسائية وتطوير المواهب، وهي ملفات تتطلب خبرات متنوعة بقدر احتياجها إلى المعرفة الفنية.

قد لا يكون السؤال الأساسي في انتخابات الاتحاد السعودي أي القائمتين تضم أسماء أكثر شهرة، بل أيهما تقدم نموذجاً مؤسسياً قادراً على إدارة كرة القدم السعودية في مرحلة تتجاوز تنظيم المسابقات إلى بناء منظومة رياضية متكاملة، وهو المعيار الذي تُقاس به اليوم أبرز اتحادات كرة القدم في العالم.

شاركها.