تشهد منصات التواصل الاجتماعي انتشاراً متسارعاً لادعاءات مضللة تربط بين لقاحات “كوفيد19” ومخاطر صحية على الحوامل، رغم أن الدراسات العلمية الموثوقة تفند هذه الادعاءات بشكل قاطع.

بدأ انتشار هذه المعلومات المزيفة بعدما نشر سيناتور أمريكيان من الحزب الجمهوري —رون جونسون من ولاية ويسكونسن وراند بول من ولاية كنتاكي— رسائل نصية حصلا عليها من هاتف الدكتور أنتوني فاوتشي السابق، في إطار تحقيق بشأن دوره خلال جائحة كورونا. تضمنت هذه الرسائل نقاشات عن المخاطر المحتملة للقاح أثناء الحمل، غير أنها استُخدمت لاحقاً كنقطة انطلاق للترويج لبيانات غير دقيقة بشكل جذري.

في مقدمة هذه الادعاءات الخاطئة، يروج منتقدو التطعيم لرقم يدّعي أن خطر الإجهاض يصل إلى 82% لدى من تلقين اللقاح أثناء حملهن. انتشر هذا الرقم الملفق على نطاق واسع، بما في ذلك في منشور للسيناتور تيد كروز الذي حُذف لاحقاً. غير أن التحليل الدقيق للدراسات التي استُخدمت لدعم هذا الادعاء يكشف عن عملية تلاعب منهجية بالبيانات.

استند الادعاء بنسبة 82% إلى دراسة نُشرت في مجلة “نيو إنغلاند الطبية” عام 2021، تتبعت نتائج حمل نحو 4 آلاف امرأة تلقين لقاح كوفيد19 في بدايات حملة التطعيم. رصدت الدراسة في البداية معدل إجهاض بنسبة 12.6% (104 حالات إجهاض من بين 827 حالة حمل مكتملة)، وهي نسبة قابلة للمقارنة مع معدل الإجهاض الطبيعي البالغ 1020% كما توثقه جمعية مايو كلينك الطبية.

إلا أن الباحثين أصدروا تصحيحاً في سبتمبر 2021 يوضح أن البيانات كانت غير كافية لاستخلاص استنتاجات نهائية حول خطر الإجهاض. كانت فترة المتابعة محدودة، وعدد كبير من المشاركات لم تُعرف نتائج حملهن الفعلية بعد، كما أن استخدام 827 حالة فقط كمقام للحساب لم يمثّل العينة الكاملة من 4 آلاف مشاركة. وأشار الباحثون إلى أن 700 من حالات الحمل المكتملة كانت في الثلث الثالث من الحمل عندما تلقت الأمهات اللقاح، وهذا يؤثر بشكل جوهري على احتساب المخاطر.

استغل منتقدو التطعيم هذا التصحيح لتشويه البيانات أكثر، حيث قاموا بحذف 700 حالة من الثلث الثالث بشكل غير صحيح، ليحسبوا النسبة على أساس 104 إجهاضات مقسومة على 127 حالة حمل فقط (في الثلثين الأول والثاني)، مما ينتج النسبة المبالغ فيها 82%. هذا الحساب خاطئ منهجياً لأنه يستبعد حالات تطعيم في مراحل حمل لا ترتفع فيها احتمالية الإجهاض بشكل طبيعي.

يؤكد الدكتور كيفن أولت، اختصاصي أمراض النساء والتوليد والرئيس المنتخب للمؤسسة الوطنية للأمراض المعدية، أن هذه الادعاءات لا تصمد أمام دليل البيانات الفعلية. قال أولت: “هذا المجال خضع لدراسات واسعة جداً. منذ عام 2021 ونحن نعلم أنه لا توجد زيادة في المخاطر، وراكمنا خمس سنوات إضافية من البيانات. من الصعب جداً تصديق أننا كنا سنغفل زيادة بمقدار ثمانية أضعاف في حالات الإجهاض لو كانت موجودة فعلاً”.

الدراسات العلمية الواسعة النطاق توثق أن لقاحات كوفيد19 آمنة أثناء الحمل. تستشهد المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والسيطرة عليها بعشرات الدراسات التي توصلت إلى نتيجة واحدة: أن التطعيم قبل الحمل أو أثناءه لم يؤدِ إلى زيادة المخاطر الصحية على الحوامل أو أطفالهن. بل أظهرت البيانات أن التطعيم أثناء الحمل يوفر حماية لكل من الأم والجنين على حد سواء.

قالت الدكتورة برينا هيوز، رئيسة لجنة الأمراض المعدية والتهديدات الناشئة في جمعية طب الأم والجنين: “لا شك في أن فوائد اللقاح تفوق مخاطره بشكل واضح. الأدبيات العلمية العالمية حول هذا الموضوع تشمل بيانات لمئات الآلاف من النساء تثبت السلامة”. أوضحت هيوز أن الآثار الجانبية التي يناقشها الأطباء مع الحوامل تقتصر عادة على الآثار الطفيفة مثل ألم الذراع والإرهاق، بينما الفوائد متعددة وجوهرية.

تشكل الإصابة بفيروس كورونا نفسه خطراً أكبر بكثير على الحوامل مقارنة باللقاح. شهد عام 2021 وحده مئات الوفيات بين الأمهات نتيجة كوفيد19، مع استمرار حالات مرضية حادة، دخول وحدات عناية مركزة، ولادات أجنة ميتة، وولادات مبكرة مرتبطة بالعدوى التنفسية. التطعيم أثناء الحمل يقلل بشكل ملموس من احتمالية جميع هذه المضاعفات.

تحذر هيوز من تأثير أوسع لعودة المعلومات المضللة حول لقاحات كوفيد19: قد تؤدي إلى زعزعة ثقة النساء الحوامل بالتدخلات الطبية الأخرى. قالت: “من المخاوف التي نراها الآن أن الناس لم يعودوا متأكدين ممن يمكنهم الوثوق به ومن يجب أن يكون مصدر المعلومات الموثوق”، مؤكدة أن الجمعيات الطبية والمؤسسات الصحية المتخصصة تبقى من أكثر مصادر المعلومات موثوقية وجدارة بالثقة.

شاركها.