كشفت الحرب الأخيرة مع إيران عن ضغوط متزايدة تواجهها منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية، خاصة أنظمة الاعتراض متوسطة وقصيرة المدى مثل “باتريوت”، إلى جانب الأنظمة المتطورة المخصصة لاعتراض الصواريخ على ارتفاعات شاهقة، مثل “آرو” الإسرائيلي و”ثاد” الأمريكي. وقد أدى الاستخدام المكثف لهذه المنظومات إلى تآكل مخزون الصواريخ الاعتراضية بوتيرة تفوق معدلات الإنتاج الحالية.

وتبرز المشكلة الأساسية في الكلفة المرتفعة لتطوير وتصنيع الصواريخ الاعتراضية المتقدمة، ما يجعل تعويض المخزون المستنزف عملية بطيئة ومكلفة مقارنة بسرعة إنتاج وإطلاق الصواريخ والتهديدات التي صُممت هذه الأنظمة للتصدي لها.

وفي هذا السياق، أشارت صحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض خططاً لتوسيع نطاق الحرب مع إيران، خشية أن يؤدي ذلك إلى استنزاف خطير لمخزونات صواريخ “باتريوت” وغيرها من أنظمة الدفاع الجوي المنتشرة في الشرق الأوسط.

ضغوط متزايدة على منظومات الاعتراض

أظهرت الحرب التي استمرت 39 يوماً مع إيران أهمية الحفاظ على مخزون كافٍ من الصواريخ الاعتراضية بعيدة المدى. وكانت صحيفة “هآرتس” قد أفادت في أبريل بأن نحو ربع الصواريخ التي أُطلقت على إسرائيل خلال الأسبوع الأخير من الحرب نجحت في تجاوز أنظمة الدفاع الجوي.

ورغم تأكيد مسؤولين عسكريين إسرائيليين آنذاك عدم وجود نقص مباشر في الصواريخ الاعتراضية، فإنهم أقروا بأن استمرار القتال فرض إدارة دقيقة للمخزون المتاح، ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى استخدام منظومة “مقلاع داود”، التي خضعت مؤخراً لتعديلات تسمح لها بالتعامل مع بعض أنواع الصواريخ الباليستية، رغم محدودية فعاليتها أمام الذخائر العنقودية.

استنزاف أمريكي وحاجة إلى سنوات للتعويض

وبحسب تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أطلقت الولايات المتحدة خلال الحرب ما بين 1060 و1430 صاروخ “باتريوت” من أصل نحو 2330 صاروخاً كانت متوافرة قبل اندلاع المواجهة. وتشير التقديرات إلى أن واشنطن ستحتاج إلى عدة سنوات لإعادة بناء هذا المخزون.

ويبلغ سعر الصاروخ الاعتراضي المتطور من طراز “باتريوت” نحو 3.9 مليون دولار، وفقاً للبيانات المتاحة. وفي مشروع موازنة عام 2027، طلبت وزارة الدفاع الأمريكية شراء 3203 صواريخ إضافية من شركة “لوكهيد مارتن”، مقارنة بـ357 صاروخاً جرى شراؤها هذا العام و194 فقط في عام 2025. ومع ذلك، لا يُتوقع بدء تسليم الكميات المطلوبة قبل عام 2029.

كما يلفت التقرير إلى أن القدرة الإنتاجية الحالية للولايات المتحدة تبلغ نحو 600 صاروخ سنوياً، مع خطط لرفع الإنتاج إلى حوالي ألفي صاروخ سنوياً في السنوات المقبلة.

طلب عالمي متزايد

ولم تعد الولايات المتحدة الجهة الوحيدة التي تواجه حاجة متزايدة للصواريخ الاعتراضية. فعلى الرغم من خروج إسرائيل من منظومة “باتريوت” عام 2024، لا تزال المنظومة تشكل عماد الدفاع الجوي لدى العديد من الحلفاء الإقليميين لواشنطن.

وفي يناير الماضي، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة مع السعودية بقيمة تقارب 9 مليارات دولار، تشمل تزويدها بـ730 صاروخاً متطوراً. كما تشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن حلفاء الولايات المتحدة طلبوا منذ عام 2020 ما يقارب 1900 صاروخ “باتريوت” متطور وأكثر من 700 صاروخ من النسخ الأقدم.

وفي أوروبا، تواصل صواريخ “باتريوت” لعب دور رئيسي في حماية أوكرانيا من الهجمات الروسية، ما يزيد من حجم الطلب العالمي على هذه الأنظمة. وفي محاولة لتقليل النفقات، أعلنت كييف مؤخراً عن خطط لإنتاج صواريخ اعتراضية محلياً بالتعاون مع شركة “رايثيون” الأمريكية.

مساعٍ لتقليل الكلفة

وفي ظل الضغوط المتزايدة، تعمل الولايات المتحدة على تطوير حلول أقل تكلفة. وأعلنت شركة “لوكهيد مارتن” أخيراً عن تطوير الجيل الجديد من صواريخ “باك3″، والذي يُتوقع أن تنخفض تكلفة إنتاجه إلى أقل من نصف تكلفة النسخ الحالية. غير أن بدء الإنتاج الفعلي لهذا الصاروخ لن يكون قبل عام 2028 وفق التقديرات المتفائلة للشركة.

تساؤلات حول حجم الأضرار في الترسانة الإيرانية

في المقابل، تثار تساؤلات بشأن مدى نجاح الضربات الأمريكية والإسرائيلية في تقليص القدرات الصاروخية الإيرانية. فبينما تحدثت واشنطن وتل أبيب في بداية الحرب عن تدمير نحو 70% من مخزون الصواريخ الإيراني، أشارت تقارير لاحقة إلى أن حجم الخسائر قد يكون أقل بكثير من التقديرات المعلنة.

وركزت العمليات العسكرية على استهداف مداخل المنشآت الصاروخية المحصنة تحت الأرض، بهدف تعطيل عمليات الإطلاق. إلا أن شبكة CNN أفادت لاحقاً بأن إيران أعادت فتح بعض المواقع التي تعرضت للقصف، فيما لا تزال طبيعة الأضرار التي لحقت بالصواريخ المخزنة داخل تلك المنشآت غير معروفة بشكل دقيق، مع ترجيحات ببقاء جزء مهم منها صالحاً للاستخدام.

شاركها.