لم تحظَ أي انتخابات حزبية في الساحة الفلسطينية بالاهتمام الذي يصاحب انتخابات حركة فتح عند عقد مؤتمرها العام. ولا يرجع ذلك إلى أنها حزب السلطة والأقدم تاريخياً فحسب، بل لأنه حتى الآن لم يظهر أي حزب عبّر عن الهوية والثقافة الوطنية، وكان منفتحاً على الكل الوطني مثلها؛ وذلك باعتراف منافسيها ومنتقديها من الأحزاب الأخرى.

ومن هنا، قد تنطبق مقولة «القديم لم يمت والبديل لم يولد بعد» على حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح)؛ فبالرغم من كل ما تواجهه من انتقادات واتهامات وصلت من قِبل أبنائها إلى درجة التشكيك في أهليتها لقيادة العمل الوطني وبالرغم مما ينتابها من خلل تنظيمي وتراجع في أداء قياداتها، إلا أنها ما زالت حية وموجودة، بل وما زالت العنوان الأبرز والأكثر حضوراً شعبياً بين كل الأحزاب والحركات السياسية الفلسطينية، حتى وإن لم تحظَ بقبول غالبية الشعب (ولا أعتقد أن أي حزب أو جماعة تحوز على نسبة الأغلبية حالياً).

إن قوة حركة فتح وبقاءها حية بالرغم من أن البعض شيّعها وأعلن موتها، يعود إلى أنه لم يولد حتى الآن أي حزب أو جماعة من خارج الحركة، أو ممن انشقوا عنها، استطاع منافستها أو استقطاب جمهور أكبر مما لديها، أو استطاع التعبير عن الهوية والثقافة الوطنية الفلسطينية كما تفعل الحركة بالرغم مما لحقها من تشويه يسبب التداخل بينها وبين السلطة الناتجة عن اتفاقية أوسلو..

حركة فتح حزب سلطة ودولة أو حركة تحرر وطني ؟

هناك علاقة الشائكة بين السلطة وحركة فتح؛ إذ يسود خلطٌ  غالباً ما يكون مقصوداً – بين حركة فتح بصفتها حركة تحرر وطني وعنواناً للمشروع الوطني من جانب، والسلطة الفلسطينية من جانب آخر، حيث تُحمَّل الحركة أخطاء السلطة كافة، وما يُثار حول وجود فساد فيها أو عجزها عن مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.

من الصحيح ومن الناحية العملية فإن فتح هي العمود الفقري للسلطة الفلسطينية، فهي التي تشرف على الأجهزة الأمنية ومنها أغلب الوزارات كما أنها تهيمن على القرار والتعيينات، وبالتالي فهي من يتحمل وزر الإخفاقات الإدارية، قضايا الفساد، والتراجع الاقتصادي.

ولكن من جهة أخرى فالسلطة (بصفتها كياناً إدارياً) لم تأتي بقرار فتحاوي أو فلسطيني منفردا بل هي نتاج تسوية شاركت فيها عدة أطراف عربية ودولية  وهي محكومة بالتزامات دولية، تنسيق أمني، وقيود اقتصادية (اتفاقية باريس) وهي التزامات تجعلها مكبلة بمتطلبات البقاء السياسي والمالي للسلطة.

كما يوجد خلطٌ بين حركة فتح (كإطار وطني تاريخي) وتنظيم فتح (كهيكل حالي)؛ إذ يتم الحكم على الحركة من خلال التصريحات المتناقضة لبعض مسؤولي وقادة التنظيم، والسلوكيات المشينة لبعضهم الآخر.

مما يشير إلى غياب المؤسساتية الحركية الصارمة وهو ما سمح بظهور “مراكز قوى” حين يتحدث مسؤول في السلطة بلسان “رجل الدولة” الملتزم بالاتفاقيات، يصطدم ذلك مع قواعد التنظيم التي ما زالت تؤمن بشعارات التحرر، مما يخلق حالة من الإرباك والارتباك في الخطاب الإعلامي.

إن هذه التداخلات تسيء لحركة فتح، وتشكك في قدرتها على الاستمرار كعنوان للوطنية الفلسطينية، وهي السبب الرئيس لحالة التخبط والإرباك التي تمر بها الحركة حالياً.

مناصب قيادية للوجاهة وكحصانة من أي محاسبة

بالإضافة إلى ما سبق فإن مشكلة الحركة تكمن في قيادة التنظيم وخصوصاً الصف الأول وحتى الثاني، الذين يتصرفون بتردد وجبن وكأن الحركة ارتكبت فعلاً فاضحاً، وبالتالي يتحاشون الدفاع عنها، حتى إن بعضهم يدافع عن حماس ونهجها أكثر من دفاعه عن حركته.

والمصيبة تكمن أيضاً في أعضاء لجنة مركزية تشغلهم وظائف أخرى أكثر من انشغالهم بتطوير الحركة والدفاع عن برنامجها ويتعاملون مع عضويتهم في المركزية كنوع من الوجاهة أو كحصانة من أية متابعة أو محاسبة .

فلماذا لا يتفرغ هؤلاء لوظائفهم؟ خصوصاً أن للإنسان قدرات محدودة، وإذا تفرغ الشخص لوظيفة واحدة سيبدع فيها أكثر ويتركون مواقعهم في «المركزية» لقيادات شابة أو مخضرمة تتفرغ كلياً للعمل السياسي الوطني؟ وخصوصا أن عضوية المركزية أو التنفيذية مهمة نضالية تتطلب أحيانا التصادم والاشتباك مع العدو أو مع الأحزاب الوطنية وحتى مع دول أخرى مما يؤثر على وظائفهم أو تجعل استحقاقات الوظيفة لها الأولوية على استحقاق عضوية المركزية أو التنفيذية.

[email protected]

شاركها.