ترتد أسئلة حول الشعور بالغربة وسط الآخرين بين كثيرين من الشباب، خاصة رغم انهماكهم في حياة اجتماعية نشطة. فالتواجد الجسدي بين الناس لا يضمن بناء علاقات حقيقية، إذ أن التواصل الفعلي يتجاوز الكلمات إلى الوعي بالذات وطريقة التعامل مع من حولنا.
توضح ميرفت جمال، مدربة حياة ومتخصصة في الذكاء العاطفي وإدارة المشاعر، أن هناك التباساً شائعاً حول معنى التكيف الاجتماعي. كثيرون يعتقدون أنه يقتضي التنازل عن الشخصية لكسب رضا الآخرين. لكنها تصحح هذا المفهوم بقولها إن التكيف الاجتماعي الحقيقي هو “القدرة على التعامل بمرونة مع تنوع الشخصيات والمواقف، مع الحفاظ على احترام الذات والهوية الشخصية”.
تشير جمال إلى أن بناء علاقات صحية يبدأ من الداخل قبل أي شيء. فهم احتياجاتنا والوعي بأسباب تصرفاتنا هو الأساس. دون هذا الفهم، قد يواجه الإنسان صعوبة في التعبير عن نفسه أو بناء علاقات متوازنة. وعوامل خفية كثيرة تؤثر على أسلوب اقترابنا من الناس، مثل تجارب الماضي والخوف من الرفض ورغبة إرضاء الآخرين، وقد تدفعنا لسوء تفسير المواقف أو الانسحاب من العلاقات خوفاً من الأذى.
حول دور الذكاء العاطفي، تؤكد أنه “من أهم المهارات لبناء علاقات مستقرة”. الذكاء العاطفي لا يعني إخفاء المشاعر، بل فهمها وإدارتها بنضج. الإنسان الواعي عاطفياً يعرف كيف يعبر عن غضبه دون إيذاء، وكيف يطلب احتياجاته بدون صدام، وكيف يستمع للآخرين دون أحكام متسرعة.
تقدم جمال مجموعة خطوات عملية لتحسين العلاقات الاجتماعية: الاستماع الفعلي والشعور بالآخرين يغنيهم عن الحصول على حلول جاهزة؛ التعبير الهادئ عن الأفكار والاحتياجات يقلل سوء الفهم ويعزز الثقة؛ احترام الاختلاف مع الآخرين لا يتطلب تشابهاً في الآراء؛ العلاقات المتوازنة تقوم على الأخذ والعطاء من الطرفين لا من جانب واحد؛ التوقف قبل الكلام قد يحمي علاقة مهمة.
تختم جمال بأن النضج العاطفي هو مفتاح العلاقات المتوازنة. بينما لا يمكننا التحكم في تصرفات الآخرين، لدينا دائماً القدرة على تطوير طريقة تعاملنا معهم. النضج العاطفي يوفر مساحة للتفكير قبل الحكم، وللفهم قبل الانفعال، وللبحث عن حلول بدل الدخول في صراعات.
وتوجه رسالة ختامية: “التكيف الاجتماعي ليس أن نصبح نسخة ترضي الجميع، بل امتلاك المرونة والوعي للبقاء على طبيعتنا وبناء علاقات قوامها الاحترام والثقة والتفاهم. كل علاقة إيجابية تبدأ من الداخل، من فهمنا ذواتنا وإدارة انفعالاتنا والتواصل مع الآخرين بصدق. وعندما نحقق هذا التوازن، تصبح العلاقات ليست مجرد وجود أشخاص حولنا، بل مساحة للنمو والدعم والانتماء الحقيقي”.
اقرأ أيضًا:
