عندما يريد الإنسان الوصول إلى هدفه، يستعمل كل الوسائل المتاحة له، في حدود المعقول، وضمن ما تسمح به قوانين الطبيعة والأخلاقيات. لكن عند فئة من جنس البشر، لا وجود للأخلاقيات ولا للأعراف.
حين تصل المخيلة إلى حدّ الاستلهام من أفلام لا يمكن أن نسمّيها إلا هندية، لا مصداقية لها، فإنها تصبح مسخرة تضحك الصغير قبل الكبير.

هكذا ألف الكيان الصهيونى سيناريو حادثة «فلاي دبي»، وأُريد أن يسوق لها في صورة دراما كبرى، توحي بأن التهديد وصل إلى داخل الطائرة التي تقل مسافريها، وأن التصعيد أصبح أكثر ضرورة، تمهيدًا لتبرير القضاء على مزيد من الأبرياء واغتصاب مزيد من الأراضي.
من الصدف، رغم قصر المسافة بين دبي والأراضي الفلسطينية المحتلة، التي لا تتعدى مدة السفر ثلاثة ساعات وخمسة وثلاثون دقيقة، كان على متن الطائرة طاقم آخر. والمعروف أن فريقًا ثانيًا للطيران يُبرمج عندما تطول مدة الرحلة، أقلها اثنتي عشرة ساعة.
فصور الهرج والمرج من المسافرين الذين كانوا جزءًا من هذا الفيلم الفاشل، ولم نرَ إلا بعض البقع على قميص قائد الطائرة وهو مسطّحًا على الأرض، ولا نعرف إذا كانت هذه البقع دمًا أم صلصة البندورة. علمًا أن المصاد، إذا حاولت ذبابة اختراق مكان، فهو يعلم بذلك، وما بالك بطائرة تقل أكبر عدد من مسافريها من الكيان الصهيوني.
أُذيع الخبر على كل المنصات الإعلامية، وتلقّى أكبر قدر من الترويج على قنواتنا العربية، لأننا نحن من نجيد التضخيم للحفاظ على بطولات عدونا. إلا أن هذه الرواية باءت بالفشل، بعد أن قطعتها وسائل الإعلام الغربية عند التحقق من عدم مصداقية القصة، التي حاول نتنياهو استغلالها في حملته الانتخابية، لتجعله بطلًا، وليبقى متربعًا على عرش المقصلة.
لماذا نستمر في أن نكون جزءًا من مسرحيات لم نشارك في كتابتها؟
ويتقلص دورنا إلى دور الكومبارس، وندفع ثمن إنتاج أفلام فاشلة. ولأن قطارًا يحجب عن الثاني، فإن ما يجري في اليمن، ليس وليد اللحظة، بل هو جزء من صراع تتداخل فيه حسابات سياسية واقتصادية، وتبقى ثروات هذا البلد الطبيعية، إلى جانب ثرواته التاريخية والثقافية، في صلب أطماع ومصالح متعددة.
ولمن يجهل اليمن، يكفي أن نتذكر أن مدنه التاريخية، بما فيها ناطحات السحاب الطينية في شبام، تمثل واحدة من أقدم التجارب العمرانية الفريدة، حتى لُقبت شبام بـ«مانهاتن الصحراء».
الصراع المستمر في منطقة الشرق الأوسط بدأ يأخذ منحًى جديدًا، مع دخول عناصر جديدة إلى الميدان، لتكتمل الصورة، وكأن مشروع الكيان الصهيوني بدأ يتجسّد في تحويل المنطقة إلى محرقة تقضي على أهل البيت، وهم أنفسهم من يقدّمون الدعم لهذه الجريمة.
كيف نصبح الجلاد والضحية، ونحاول أن ننأى بأنفسنا في الوقت نفسه؟ كم هي صعبة هذه المعادلة! ربما سنرسل هذه الأخيرة إلى علماء الرياضيات الأوائل للاستعانة بهم، وأنا متأكدة من عجزهم عن حلّها. وحينها، نخسر المليون الآخر من الضحايا من شعوبنا في المنطقة.
في انتظار عبقري بإمكانه إيجاد حلول لهذه المعضلة، كفانا سذاجة وتصديق كل ما يُراد تسويقه لشعوبنا، التي بالأمس عرفت كيف تصنع مجدًا مخزونًا في الأرشيف، كاد التاريخ أن ينساه.
   كاتبة جزائرية

شاركها.