حدّدت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة اليوم بعنوان «سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي» والهدف المراد توصيله «التوعية بأهمية صفاء النفس وسلامة الصدر وأثرهما في نشر السلم في المجتمع».

أما الخطبة الثانية: «التحذير من التشكيك ونشر روح التشاؤم» ضمن مبادرة صحح مفاهيمك.

موضوع خطبة الجمعة اليوم

الحمد لله رب العالمين، أجزل ثواب العاملين، وأحسن جزاء المخلصين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه الذين أحسنوا في أعمالهم وتزودوا من دنياهم لآخرتهم، والله يحب المحسنين؛ أما بعد:

فمن أجلِّ النِّعم، وأسمى العبادات القلبيّة التي غابت عن قلوبٍ كثيرة، سلامةُ الصدر؛ تلك الطهارة الخفيّة التي إذا فُقدت، تفشّت الخصومات، وتقطعت الأرحام، واضطربت أواصر المجتمع، وكأنّ السكينة قد رُفِعت من بين الناس.

ومعنى سلامة الصدر: خلو القلب من الغل والحقد والحسد والضغينة والبغضاء لعباد الله، إنها الراحة المعجلة في الدنيا، والنجاة المؤكدة في الآخرة.

وصف الله تعالى خليلَه إبراهيم عليه السلام، بهذه الصفة الجليلية فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِن شِیعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِیمَ ۝٨٣ إِذۡ جَاۤءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبࣲ سَلِیمٍ﴾ [الصافات: ٨٣: ٨٤]، أي: “بقلب سليم من الشرك ومن غيره من الآفات كالحسد والغل والخديعة والرياء، والمراد بمجيئه ربه بقلبه: إخلاص قلبه لدعوة الحق، واستعداده لبذل نفسه وكل شيء يملكه في سبيل رضا ربه عز وجل” [التفسير الوسيط للقرآن الكريم].

وهذا يوسف عليه السلام حينما التقى بإخوته قال لهم على سبيل الصفح والعفو ﴿لَا تَثۡرِیبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡیَوۡمَۖ یَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِینَ﴾ [يوسف: ٩٢]، ثم أعلن سلامة صدره تجاههم حيث أسند ما فعلوه معه إلى الشيطان؛ لأن في ذلك سترًا عليهم وتأدبًا معهم فقال حكاية عنه: ﴿مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّیۡطَٰنُ بَیۡنِی وَبَیۡنَ إِخۡوَتِیۤۚ﴾ [يوسف: ١٠٠].

أما سيدنا محمد ﷺ؛ فقد بلغ في طهارة القلب وسلامته من الأحقاد والضغائن وسائر الآفات القلبية غاية الكمال، حتى استحق أن يمتن الله سبحانه وتعالى عليه بقوله: ﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ﴾ [الشرح: ١]، فلم يكن شرح الصدر النبوي مجرد سعة في الصبر وقوة التحمل، بل كان نورًا وإيمانًا ورحمةً وحِلمًا وعفوًا، حتى اتسع قلبه للناس جميعًا؛ يؤذيه قومه فيعفو، ويكذبونه فيدعو لهم، ويخرجونه من وطنه ثم يقول لهم يوم الفتح: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءِ»، فكان ﷺ أصفى الناس صدرًا، وأطهرهم قلبًا، وأبعدهم عن الغل والحقد والانتقام للنفس.

قال الإمام الفخر الرازي: “فإن قيل: لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ فالجواب أن محل الوسوسة هو الصدر، كما قال تعالى: ﴿ٱلَّذِی یُوَسۡوِسُ فِی صُدُورِ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: ٥]، فإزالة تلك الوسوسة، وإبدالها بدواعى الخير، هي الشرح، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب”.

قال محمد بن علي الترمذي: “القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب، فإذا وجد مسلكًا أغار فيه، وبث فيه الهموم، فيضيق القلب، ولا يجد للطاعة لذة، وإذا طرد العدو في الابتداء، حصل الأمن، وانشرح الصدر” [مفاتيح الغيب باختصار].

سلامة الصدر من صفات أهل الجنة

أخبر سبحانه ما هم عليه في الجنة من صفاء نفسي، ونقاء قلبي فقال تعالى: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِی صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرࣲ مُّتَقَٰبِلِینَ﴾ [الحجر: ٤٧].

رَوَى الْقَاسِمُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: “يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى مَا فِي صُدُورِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالضَّغَائِنِ حَتَّى إِذَا تَوَافَوْا وَتَقَابَلُوا نَزَعَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ غِلٍّ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِی صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ﴾” [رواه ابن جرير في جامع البيان].

عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ…، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ» [رواه البخاري].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ» [رواه البخاري].

عن سفيان بن دينار قال: قلت لأبي بشير: “أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟، قال: كانوا يعملون يسيرًا، ويُؤْجَرُون كثيرًا، قلت: ولِمَ ذاك؟ قال: “لسلامة صدورهم”.

سلامة الصدر من أخلاق الأبدال

وعدَّ أبو الليث السمرقندي سلامة الصدر في مقدمة أخلاق الأبدال، وجعلها أساسًا تتفرع عنه الرحمة بالمؤمنين والنصيحة للخلق وسائر مكارم الأخلاق؛ فقال: “أَخْلَاقُ الْأَبْدَالِ عَشْرَةُ أَشْيَاءَ: ‌سَلَامَةُ ‌الصَّدْرِ، وَسَخَاوَةُ الْمَالِ، وَصِدْقُ اللِّسَانِ، وَتَوَاضُعُ النَّفْسِ، وَالصَّبْرُ فِي الشِّدَّةِ، وَالْبُكَاءُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْخَلْقِ، وَالرَّحْمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالتَّفَكُّرُ فِي الْفَنَاءِ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْأَشْيَاء” [تنبيه الغافلين]، إذ لا يمكن أن يقارَن قلب ممتلئ بالأحقاد بقلب مشفق رحيم يحمل الخير للناس.

بل إن أهل المعرفة بالله رأوا في سلامة الصدر طريقًا من أقرب الطرق الموصلة إلى الجنة، كما قال أبو الحسين الكلابي “أخبرنا سعيد قال: سمعت قاسمًا الجوعي يقول: أصل الدين: الورع، وأفضل العبادة: مكابدة الليل، وأفضل طرق الجنة: سلامة الصدر” [جزء من حديث الكلابي عن شيوخه]، لأن الجنة دار السلام، ولا يليق بدخولها إلا من ذاق في الدنيا شيئًا من سلامة القلب وصفائه.

وإذا استقرت سلامة الصدر في القلب ظهرت آثارها على الجوارح والملامح، فالبشاشة الصادقة، والوجه الطلق، والكلمة الطيبة، كلها شواهد على ما يحمله القلب من صفاء، ولذلك قيل: “ثلاث نواطق وإن كن خرسا: .. وحسن البِشر دليل على ‌سلامة ‌الصدر” [بهجة المجالس]، فالقلب الطاهر يفيض نورًا على صاحبه، ويجعل حضوره راحةً للناس، كما يجعل غيابه موضع شوقٍ ومحبة.

شاركها.