يعاني المسافرون عند قطع مسافات جوية طويلة عبر مناطق زمنية متعددة من إرهاق حقيقي يتجاوز مجرد الشعور بالتعب. هذا الإرهاق ينجم عن خلل في الساعة البيولوجية للجسم، تلك الآلية الدقيقة التي تنظم دوراتنا اليومية.

تعمل الساعة البيولوجية على دورة تمتد حوالي 24 ساعة، وتتحكم في أوقات النوم والاستيقاظ والطعام والنشاط. لكن هذه الدورة تحتاج إلى إعادة ضبط يومية لكي تبقى متسقة مع تعاقب الليل والنهار. تقوم خلايا عصبية حساسة للضوء في شبكية العين برصد الظلام وإرسال إشارات إلى غدة صغيرة في الدماغ تسمى الغدة الصنوبرية، تحفزها على إفراز هرمون النوم الميلاتونين. يشرف على هذا النظام جزء من الدماغ يعرف بـ”النواة فوق التصالبية”، وتعمل مثل قائد الأوركسترا الذي ينظم إيقاع حياتنا.

عندما نستقل رحلة جوية طويلة وننتقل بسرعة إلى منطقة زمنية مختلفة، يصبح الأمر وكأن الأوركسترا فقدت قائدها، فتختل الإيقاعات ويعم الارتباك. الأعراض لا تقتصر على التعب والأرق فقط؛ فإرهاق فرق التوقيت يؤثر على الجسد بطرق متعددة. يجهد الخلايا والأعضاء، ويعطل عمليات إصلاح الخلايا، ويؤثر على وظائف الكبد والكلى. قد يسبب الصداع وآلام العضلات، وقد يؤدي اضطراب الهضم إلى الغثيان أو الإسهال أو الإمساك. تأثيره يمتد أيضاً إلى الذهن، فضبابية الذهن تصعب التركيز وتزيد النسيان، وقد يصاحب ذلك شعور بالانزعاج أو اللامبالاة.

يتأثر بعض الأشخاص بهذا الإرهاق أكثر من غيرهم بناءً على عوامل عدة منها التركيبة الجينية والأدوية المنتظمة. تزداد حدة الأعراض كلما عبرنا عدداً أكبر من المناطق الزمنية، وخاصة عند السفر باتجاه الشرق أو عندما تقصر ساعات النهار.

تشير الدراسات العلمية إلى أن الآثار قد تكون أعمق مما يتصور الكثيرون. أجريت دراسة بجامعة كاليفورنيا في بيركلي على حيوانات الهامستر عرّضتها لجدول نوم محاكاً لتأثير السفر من نيويورك إلى باريس مرتين أسبوعياً لمدة أربعة أسابيع. عندما كانت الحيوانات تعاني من إرهاق فرق التوقيت، واجهت صعوبة في أداء مهام تنجزها عادة بسهولة. الأكثر فاجعية أن هذه التأثيرات استمرت حتى بعد مرور شهر على انتهاء الاضطراب. كشفت الدراسات العصبية أن الحيوانات كانت تنتج عدداً أقل من الخلايا العصبية الجديدة في الحصين، وهي منطقة الدماغ المرتبطة بالذاكرة.

نتائج مماثلة ظهرت في دراسات على أطقم الطيران. عندما قارنت إحدى الدراسات بين مضيفات الطيران بجداول عمل متفاوتة الكثافة، وجدت أن من تعملن بجداول أكثر إرهاقاً كن لديهن مستويات أعلى من هرمون التوتر الكورتيزول في اللعاب. كما أظهرت صور المسح الدماغي أن الفص الصدغي الأيمن لديهن كان أصغر حجماً، وسجلن نتائج أقل في اختبارات الذاكرة.

تشير أبحاث أخرى إلى مخاطر صحية أعمق. تجارب على فئران مخبرية تعرضت عمداً لاضطراب في إيقاعها اليومي أظهرت نمو الأورام بوتيرة أسرع. بينما تباطأ النمو عندما أعيدت الفئران إلى إيقاع يومي طبيعي. دراسات أخرى على الفئران كشفت أن التعرض المزمن لهذا الإرهاق قد يقود إلى سلسلة من التغيرات المرضية تبدأ بمرض الكبد الدهني غير الكحولي ثم تتطور إلى التهاب الكبد وتراكم الأنسجة الندبية، وقد تنتهي بسرطان الكبد.

على المستوى البشري، دراسة من تسعينيات القرن الماضي أظهرت أن معدلات إصابة الطيارين الكنديين بسرطان البروستاتا كانت أعلى من المتوسط. تحليل علمي واسع لاحقاً كشف أن مضيفات الطيران سجلن معدلات أعلى من المتوسط للإصابة بسرطان الثدي والورم الميلانيني. أبحاث أخرى استندت إلى استطلاعات صحية وجدت احتمال إصابة بالسرطان أعلى لدى النساء العاملات في قطاع الطيران مقارنة بعامة السكان، بينما لم تسجل زيادة مماثلة لدى الرجال. لكن هذه الدراسات رصدية، ولا يمكن الجزم بأن إرهاق السفر المزمن هو السبب المباشر، إذ قد تتدخل عوامل أخرى مثل التعرض للإشعاعات الكونية.

هناك عدة استراتيجيات للتخفيف من هذه الأعراض. يمكن البدء قبل السفر بتعديل الساعة البيولوجية تدريجياً في الاتجاه المناسب: عند السفر شرقاً، حاول النوم قبل موعدك المعتاد بساعة أو ساعتين خلال الأيام التي تسبق الرحلة. عند السفر غرباً، أخّر موعد النوم ساعة أو ساعتين.

يلجأ البعض إلى هرمون الميلاتونين، الذي يساعد نظرياً على إعادة ضبط الساعة البيولوجية بإرسال إشارة إلى الجسم بأن الليل اقترب. مراجعة من مؤسسة كوكرين عام 2002 خلصت إلى أنه قد يكون مفيداً، لكن أشارت إلى أن خصائصه الدوائية تحتاج إلى مزيد من الدراسة. تختلف التوصيات باستخدامه من بلد لآخر؛ تنصح مراكز السيطرة على الأمراض الأمريكية باستخدامه، بينما هيئة الخدمات الصحية البريطانية لا توصي به لعدم كفاية الأدلة. الميلاتونين ليس خالياً من المخاطر؛ قد يسبب دواراً وغثياناً على المدى القصير، وارتبط استخدامه يومياً على المدى الطويل بزيادة خطر قصور القلب والدخول للمستشفى.

خيار أكثر أماناً هو التحكم في التعرض للضوء بعد الوصول إلى الوجهة، لكن بتوقيت صحيح. عند السفر غرباً مثلاً، يفيد قضاء وقت في الخارج عند الوصول، لأن الضوء يرسل إشارة للدماغ بأن النهار لا يزال مستمراً، ما يثبط إفراز الميلاتونين والإشارات المرتبطة بالنوم. في أوقات محددة أخرى، قد يكون من الأفضل ارتداء نظارات شمسية لتقليل التعرض للضوء.

يمكن أيضاً الجمع بين التعرض للضوء وممارسة النشاط البدني. دراسات صغيرة أشارت إلى أن التمارين الرياضية تساعد على تعديل الساعة البيولوجية. ينصح الرياضيون المحترفون بمواصلة التدريب بشدة خفيفة إلى متوسطة. تناول الطعام وفق توقيت الوجهة أثناء الرحلة وبعد الوصول يساعد أيضاً على تعديل الساعات البيولوجية الطرفية في الكبد والبنكرياس ويسهم في تنظيم عملية الأيض.

دراسة حديثة من جامعة ساري لم تخضع بعد للنشر الكامل أشارت إلى أن من كانوا أكثر خشية من إصابتهم بإرهاق فرق التوقيت عانوا أعراضاً أشد، ما يوحي باحتمال “تأثير النوسيبو”، أي أن التوقعات السلبية قد تؤدي إلى نتائج أسوأ.

الجسم يتكيف تدريجياً مع المنطقة الزمنية الجديدة بمعدل يقارب ساعة يومياً عند السفر شرقاً، وساعة ونصف يومياً عند السفر غرباً. بعد نحو أسبوع، من المرجح أن يشعر المسافرون بتحسن عام، فلا يبقى من الرحلة سوى ذكرياتها الجميلة.

شاركها.